|
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]()
رائحة الاب علي حسين عبيد
وفي الصباح اشرقت الشمس بابهى صورة لها ونفذت عبر النافذة الى الغرفة الواسعة فاضفت عليها ضوء محببا الى النفس كان الطفل قد تم ارتداء ملابسه وتناول الفطور الذي اعدته الام حمل حقيبته المدرسية وخطا نحو الباب الخارجي للبيت وقبل ان يخرج ركضت امه وراءه وامسكت به تذكرت احداث الليلة الماضية ودت ان تبقيه معها في البيت لكنها لم تفعل دست رغيف الخبز اللين وبيضة مسلوقة في جيب حقيبه وقالت له ولدي اذا بدا القصف اترك الصف واختبيء في أي ملجا قريب نظر الطفل اليها بدهشة توزعت مساحة وجهه ثم تبسم لها وغادر البيت. كان اسفلت الشارع يلتمع تحت اشعة الشمس وعلى جانبيه ترتفع بنايات عالية وفي الطابق الاسفل منها المتاجر والدكاكين قد بدات تفرد ابوابها وثمة اطفال يتقافزون ويركضون الى مدارسهم واجسادهم كثيرة لرجال نساء كانت تتجه الى اماكن متفرقة وسيارات كبيرة وصغيرة معباة بالناس كانت تتخاطف فوق اسفلت الشارع وعلى الرصيف الايمن كان الطفل يخطو هادئا رائقا الى مدراسته لقد نسي وهو في لجة اللغط المتواصل والحركة التي لاتتوقف احداث الليلة الماضية وحين وصل الى المدرسة راى اجساد التلاميذ الصغار تتدفا تحت اشعة الشمس في ساحة المدرسة واذ اعلن الجرس عن بدء الحصة الاولى ركض الطفل الى صفوفهم كانت مقاعد الصف الخامس قد امتلات بالاجساد الصغيرة سوى مقعد الطفل الذي وصل قبل قليل فقد كان جسده مكورا ملموما في ملجا ارضي بعد لحظات غص الملجا بالاجساد الصغيرة التي بدات تتكدس فوق بعضها كان الدوي في باديء الامر بعيدا واهنا لكنه مع مرور الوقت بدا يشتد حتى ان الملجا كان يهتز مع حدوث الانفجار فتختض معه اجساد الطلاب وترتطم بعضها ببعض كان القصف يقترب شيا فشيا من المدرسة يتفجر يتعالى الازيز اما الطفل فكان يدفع بجسمه الى الاجساد الصغيرة وهي ترتجف في لحظة دوي انفجار قريب صاخب فتهشمت نوافذ الصفوف وتشظى الزالى قطع صغيرة وبدات تعلو من فوق المدرسة سويرة غبار مالبث ان تحولت بعد ذلك الى ذيل دخاني بدا يتصاعد يتلاشى في الفضاء وقتها كانت الاجساد تلتق ببعضها وحين هدا القصف وخمن المدير انه سكت تماما تركت الاجساد ملاجئها وراحت تنفض عنها الغبار الذي علق بها دخل الاجساد صفوفهم كالعادة لكن الطفل ظل في ملجئه بجسم قصير مرتعش تذكر كلمات امه قبل ان يترك البيت ثمة فرحة مفاجئة اخذت تحتوي راسه الصغير انه مازال حيا سيرجع الى البيت سيرى امه مرة اخرى وقبل ان ينهض غزة انعه رائحة ندية طيبة انها رائحة التراب الندي البارد في داخل الملجا انتصبت امام عينيه صورة الاب تمثلها تذكر احداث الليلة الماضية فاستقام في الملجا ليرى الشمس تنثر ضوئها فوق الاشجار ترك الملجا نسي حقيبته في المدرسة ولهث نحو البيت كان يركض بذراعين مفتوحتين وحين تتعب ذراعيه يسدهما الى جانبيه لكن سرعان ما كان يرفعهما مرة اخرى كجناحين صغيرين وهو يركض لاهثا نحو البيت عند رأس الزقاق توقف الطفل صفعت عينيه تلك الاجساد الكثيرة التي تكدست وسط الزقاق تفحص البيوت واحد اثر اخر ربما توهم فبيتهم ليس الزقاق خطا الى الزقاق الاخر تفحص البيوت التي تتقابل على جانبيه فلم يعثر على بيتهم عاد الى الزقاق الاول تنبهت له امراة مسنة كان يعرفها ركض اليها سالها عن هذا الحشد الذي يتكون قرب بيتهم اخذته المراة العجوز بين يديها تلفت الطفل قال العجوز: ـ اريد ان اذهب الى البيت نشجت العجوز فجاة وشدت على جسمها النحيل حاول ان ينهض لكنها تشبت به واعطته قليلا من الماء لم يشرب لم يكن بحاجة الى الماء تحدثت معه لكنه ظل صامتا وفي لحظة تملص منها وهرب نحو بيتهم وقف امامه مذهولا صامتا ركض الى الباب المتهاوي على الارض واذ ولج الباب كانت ثمة اجساد طويلة تعتلي الطابوق المتكوم فوق بعضه تراجع الطفل ربما لم يكن بيتهم لكنه في لحظة لمح الصورة الكبيرة وهي تنظر اليه من خلال الغبار الذي علا زجاجتها تسمر في مكانه تذكر امه بحث عنها سال عنها فراى صورتها تجلس الى جانب ابيه بحلة جديدة بيضاء تحركت العينان الكبيرتان تفتت الاطار الخشبي المزخرف وانفردت ذراعان قويتان ركض الطفل نحو ابيه تعلق بصدره وراح يستنشق رائحة عزيزة مميزة.
|
![]() |
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved. info@bentalrafedain.com |