دراسات نقدية

 

مساءات مفروشة بالأحلام
قراءة أولى في شعر حنان عبد الكريم

عبدالرزاق الربيعي

razaq61@yahoo.com

يوماً بعد آخر يصبح من الصعب على متتبع حركة الشعر العراقي الحديث حصر الأسماء الشعرية الجديدة التي ظهرت خلال عقد التسعينيات من القرن المنصرم كردة فعل طبيعية إزاء الظروف المريرة التي مر بها العراق خلال العشرين سنة الأخيرة من دمار وخراب نتيجة حروب لا معنى لها في قلب الشاعر ! وسواه. وقد ساعدت أجواء الحرية التي أتاحتها المنافي للشعراء العراقيين التي قذفوا باتجاهها في اضخم هجرة بشرية في تاريخ العراق المعاصر على تفجير طاقاتهم الإبداعية التي كانت حبيسة الصدور والأوراق المخبوءة والجلسات الخاصة فضلاً عن أن تجربة الغربة المرة عمّقت هذه المعاناة وأفرزت ما يسمى بـ (أدب الخارج) تمييزاً له عن (أدب الداخل) وهو توصيف أطلقته الصحافة الثقافية العربية التي وجدت نفسها حائرة إزاء البركان الشعري العراقي الذي تفجّر وسال ليغمر قارات الكتابة الشعرية الحديثة بحممه اللاهبة، وطبعاً نحن ضد مثل هذه التوصيفات التي تجزئ المشهد وتعمّق الهوة بين (الداخل) و(الخارج)، وقبل أيام وصلتني رسالة من الشاعر (سلمان داوود محمد) المقيم ببغداد يحتج على هذه التسمية مع كثيرين من شعراء جيله متفقاً مع الشاعر (عدنان الصائغ) المقيم في السويد في أن " أكذوبة بيان أدب الداخل والخارج محض افتراء جغرافي مُهين ينبغي الالتفات له ومقاتلته " سيما وأن النفَس الشعري العراقي الجديد قد أخذ يترامى ويتسع خارج حدود النقد والآراء والقوالب. وكثيرة هي الأصوات الشعرية العراقية التي ظهرت في الآونة الأخيرة مؤكدة ذاتها رافعة عقيرتها بالغناء المداف بالشجن العراقي المثقل بالحنين لتذيب قسوة المنافي التي وضعت أرحامها العديد من الولادات الشعرية ويمكن اعتبار الشاعرة (حنان عبد الكريم) واحدة من هذه المواليد الشعرية التي استطاعت أن تحول انفعالاتها الناجمة عن تصادم ذاتها مع الواقع الجديد الغريب عليها إلى طاقة إبداعية متفجرة لذلك ليس من الغريب أن ترتدي نصوصها ثوب السواد والألم فتتغير صور الأشياء ودلالاتها حسب إيقاعها النفسي المشحون بالتوتر : نسابا

 

" جوفي يحترق

كقطرة ندى

تبحث عن مجرى

ملعونة كل الصباحات

كل أوراق التوت ممزقة "
 

ولكن لماذا هذه الثورة التي تسيطر على وجدان الشاعرة فتجعلها : " تجرؤ حتى على شتم حمورابي "، الملك البابلي الذي يعد أول من شرع القوانين في مسلته الشهيرة لتكون شاهدا على بزوغ فجر الحضارة في بلاد ما بين النهرين ؟. الجواب على سؤالنا تلخصه بأربع كلمات :

 

" هو يشرّع

ونحن نُذبح "

 

هذا التمرد يتضمن استرجاعاً رمزياً لصرخة " انكيدو " في ملحمة " جلجامش " الخالدة حين واجه شبح الموت فقال مخاطباً الباب : نسابا

 

" أيها الباب

لو كنت أعرف أن هذا ما سيحل بي

إذن رفعت فأسي وحطّمتك "
 

وتستفيد (حنان عبد الكريم) من تجربتها التشكيلية لتولي الصورة الشعرية اهتماماً كبيراً ولتعرض مشهداً جمالياً تسعى من خلاله – كما يشير الدكتور (عبد الإله الصائغ) معرفاً الصورة وموضحاً وظيفيتها – " لنقل المشهد الواقعي إلى المشهد التوقعي بمكنات التخييل وفق تعادلية بين الحقيقة والمجاز تشكلها منظومة من العلاقات المتشابكة المتصلة بعناصر التوصيل ". وتنجح حنان في تظليل المشهد الواقعي لتنتج مشهداً جديداً يستمد مقوماته من مخيّلة خصبة لذلك غالباً ما تكون هذه المشاهد على درجة عالية من الدهشة والطرافة : نسابا

 

" أتى المساء ثقيلاً

يحمل رسالة من الصباح

يقول فيها :

- لا تنم هذا المساء

ارقد في القبر قليلاً

حتى آتيك بموت جديد "

 

و عندما ترسم الشاعرة حنان صورها الفنية فإنها ترسل إشاراتها الصوتية الفاعلة ضمن مكونات الصورة بتشبيهات غريبة فارشة للمتلقي مساحاتٍ بيضاء فتملأ الفراغات لتتسع ثيمة الحلم ولتصبح القصيدة تعقباً متواصلاً لأحلام الشاعرة : نسابا

 

" ليلٌ..لفافة تبغ

وامرأة مثل الدخان

تتملص

من بين أصابع عازف الناي

تهرب..تتلاشى كحلم "
 

وتستند حنان في بناء نصها الشعري على لغة سردية تلازمها دائماً وكأنها بذلك تقوم بشرح تفاصيل لوحة مرسومة في مخيلتها ضمن بناء يحكمه نسق القص : نسابا

 

" مثل أيقونة خشبية

وقفت

بلهاء بشفاه مطليه

.....

لحمها الأبيض

على الرصيف ملقى

وشعرها الغجري

تعلّق في شباك

ابن الجيران

انتبه في الطريق حفر ".

 

وتأتي الجملة الأخيرة لتكسر التوقع وتقوي بناء المشهد فيصبح مفصلاً يعمّق الفكرة التي عرضتها عند رسمها لمشهدٍ واقعي بعد وضع زاوية انحراف في تدوين هذا المشهد. لكن الشاعرة غالباً ما تخضع لامتيالات لغوية تجعلها فريسة لـ (نثرية) تكون بمثابة عاصفة ترابية تخفي جماليات كائناتها الشعرية ولعل هذه إحدى مزالق التجارب الأولى التي سببها الركون إلى (الدفقة الأولى) في الكتابة الشعرية وعدم مراجعة القصيدة بعد كتابتها وحذف الزوائد العالقة بها هذا إذا ما استبعدنا بحسن نية الالتباس الحاصل في أذهان البعض في فهم جوهر العملية الشعرية والذي يتضح جلياً كلما تقدم الشاعر في التجربة. نسابا

إن (حنان عبد الكريم) تؤكد في هذه المجموعة أنها شاعرة تجيد الرسم بالأحلام لتقدم صورة مؤلمة لواقع الشتات العراقي الراهن. نسابا


 

 

 

 

 

 

 

Google


    في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
  info@bentalrafedain.com