بحوث  

 

العلمانية المؤمنة هي افضل وجه للأسلام السياسي في العراق          

 

 د. لميس كاظم

lamiskadhum@hotmail.com

 

في هذا المقال لن ابغي التجاوز على فكر او تيار ديني معين وانما طبيعة الوضع الشائك في العراق ومستجداته يطرح تساؤلات يُبتغى منها الحوار الهادف المتحضر البعيد عن التراشق والتلاعب بالمفردات. ان المصلحة المشتركة تشترط ان نخطط ونجتهد سويتا لأيجاد طرق وبدائل يتفق عليها كل من هو مهتم لبناء عراق ديمقراطي تعددي. لان تفعيل الحوار الهادئ لايفهم الأجهاز على الراي او مصادرته، فكل تيار فكري له جوانب مشرقة وسلبية.

لازال الكثير من القراء والمفكرين يرتهب من كلمة العلمانية على اعتبار انها تدخل ضمن  مفهوم الألحاد بالوقت الذي كلمة "العلمانية" هي ترجمة لكلمة انكليزية  "سيكولاريزم ، وهي مشتقة من كلمة لاتينية "سيكولوم ، وتعني العالم أو الدنيا وتوضع في مقابل الكنيسة واقرب تفسير لها هو فصل الدين عن الدولة.

ورغم خروج مصطلح "علمانية" من رحم التجربة الغربية، إلا أنه انتقل إلى القاموس العربي الإسلامي، مثيرًا للجدل حول دلالاته وأبعاده، والواقع أن الجدل حول مصطلح "العلمانية" في ترجمته العربية يُعد إفرازاً طبيعياً لاختلاف الفكر والممارسة العربية الإسلامية عن السائد في البيئة التي انتجت هذا المفهوم، لكن ذلك لم يمنع المفكرين العرب من تقديم إسهاماتهم بشأن تعريف العلمانية.
هناك من يعتبر ان الجوهر العلماني للإسلام -الذي يراه ديناً علمانياً للأسباب التالية:

النموذج الأسلامي قائم على العلمانية بمعنى غياب الكهنوت اي بعبارة اخرى المؤسسات الدينية الوسيطية. والأحكام الشرعية الخمسة (الواجب-المندوب-المحرم-المكروه-المباح) تعبر عن مستويات الفعل الإنساني الطبيعي، وتصف أفعال الإنسان الطبيعية. يمكن الرد على تصور علمانية الإسلام، بأنه ثمة فصلا ًحتمياً للدين و الكهنوت عن الدولة في كل المجتمعات الإنسانية تقريباً، إلا في المجتمعات الموغلة في البدائية، حيث لا يمكن أن تتوحد المؤسسة الدينية و السياسية في أي مجتمع حضاري مركب.

 يدور الحديث عن دور الأسلام السياسي في العراق وكيفية التعامل مع الواقع الذي عصفت به نتائج الأنتخابات والتي رجحت الكفة لقائمة الأئتلاف العراقي ذات التوجه الديني الشيعي.

في البداية لابد ان نسلم بحقيقة ان الوضع الحالي في العراق يختلف تماما عن ماهو علية في ايران  وقريب الى حد ما من النظام التركي الحالي، لاسباب عديدة اهمها :

ان العراق لم يحرر من قبل القوى العراقية الوطنية بل جاء بفعل الجهود الامريكية وهي صاحبة القرار في الكثير من القضايا المستقبلية وهي معنية اكثر من اي بلد اخر بمستقبل الديمقراطية في العراق ذات السقف الأمريكي المحدد الرافض لسيادة دولة المؤسسات الدينية ذات النمط الواحد او حتى دولة المؤسسات اليسارية، بل هي تؤسس لدولة مؤسسات لبيرالية داعمة اوغير معترضة على مشروع الشرق الأوسط الكبير وراعية لمصالحها في العراق بشفافية. لذلك من يتصور ان نتائج الأنتخابات ستمنحه الفرصة الذهبية للهيمنة على مقاليد مؤسسات البلد، فهذا تصور بعيد المنال، والأهم من ذلك هو من يعتقد ان هذه النتائج هي نتاج تعكس الرغبة الديمقراطيه للمجتمع العراقي ، فهو في تصور بعيد عن الواقع . نحن نمارس الديمقراطية وفق اطار محدد ولذلك لم ولن تكون هناك كتلة او حزب يستطيع ان يفرض شروطه بالكامل على مصير مستقبل العراق.

 طبيعة التوازن السياسي في العراق يختلف تماما عن ماهو في ايران، ويقترب كثيرا عما هو موجود في تركيا،  ففي العراق هناك اكثر من قطب سياسي كبير وهناك الكثير من الأحزاب القومية والعلمانية التي تعترض على سيادة دولة المؤسسات الدينية .أن أغلبية الأحزاب العراقية مشروعها يتفق مع دولة المؤسسات اللبيرالية اوالعلمانية ، لذلك فنظام ولاية الفقية لايجد مكان لتطبيقه في العراق وقد اعلن عن ذلك مرارا من قبل الكثير من قادة كتلة الأئتلاف العراقي.

أن طبيعة الأحزاب الدينية بشقيها الشيعي والسني، الذين ناضلو سويتا مع الأحزاب العلمانية والليبرالية عقودا من الزمن ضد الدكتاتورية ، تعرف جيدا كيف اكتوى الشعب العراقي من نظام الحزب الواحد ولذلك عملية التفكير في الأستحواذ والتسلط الفردي غير مناسبة قطعا لكل الفصائل السياسية ، فالكل يجب ان يقتنع في ان يسود مبدء الوطن يتسع للجميع، ومن يثبت انه جدير بقيادة البلد بالطرق الديمقراطية السليمة( واشدد على كلمة السليمة) فالمجال مفتوح امامه. لقد اثبت التجارب انه من الصعوبة الفوز في الأنتخابات لكن الأصعب هو هل بأمكان الفائز ان يحقق كل رغبات المجتمع العراقي بكل قومياته واطيافه السياسية، والبقاء مدة طويلة محافظا على مكانه وفق القواعد الصحيحة للديمقراطية ، والدليل على ذلك انه مضى اكثر من شهرين ولم يتفقو على مرشح واحد لرئاسة البرلمان العراقي.

 موضوعة ابعاد المرجعيات الدينية عن التدخل في شؤون الدولة يدخل في اطار مفهوم الدستور العلماني ام الديني، وهو من اهم المواضيع الملتهبة في الوضع العراقي الحالي، أذ سيحدد اي نمط من الحكم ممكن ان يسود في العراق، وبمثابة الفيصل الذي سيقرر مستقبل الديمقراطية في العراق وسيكون مثار جدلا وسيحتدم النقاش حوله  خصوصا في صياغة الدستور. فاذا تمسكت الكتل الدينية بفرض سلطة المرجعيات الدينية على الدستور والسلطات الثلاث ، سيودي الى احتدم الصراع الغير تناحري بين الأحزاب الدينية وبين بقية الأحزاب، وسوف تواجه الأحزاب الدينية ضغوط كبيرة داخلية وخارجية تحد من نشاطها وفعاليتها وتخسرها الكثير من قوتها. فالدكتور اياد علاوي، رئيس الوزراء المؤقت، فتح ابواب الصراع مبكرا حال تصريحه علنا بأبعاد المرجعيات الدينية عن التدخل في الشؤن السياسية والحكم، وهو بالحقيقة صراع مؤجل بين القوى السياسية العراقية العلمانية والليبرالية وبين الأحزاب الدينية واعتقد ان موافقة الأحزاب الشيعية على دستور يضم كل المذاهب والأديان مع مراعات ان الدين السلامي هو دين الأكثرية،  سيحقق وحدة العراق ، فإذا استطاعت الكتل الدينية ان تتجه نحو العلمانية المؤمنة ، تلك التي تتمسك بتعاليم الدين الاسلامي في مراجعها وليس في فرض سلطتها الدينية على شؤون السلطات الثلاث، ستفوت الفرصة على الكثير من اجل اضعافها وستتوسع مشاركة الجماهير معها، لان هذا الموضوع هو القاسم المشترك بين غالبية المجتمع العراقي، كذلك ستجد كل الأحزاب العلمانية والليبرالية والقومية الى جانبها وسيبنى العراق اسرع وبجهود الجميع وتتجنب كل القوى الدخول في صراعات وخلافات فكرية ودستورية ، وهو يشكل اليوم الطريق الأنجع لبناء العراق.

 أن من تجارب الشعوب التي يمكن الأستفادة منها هي دور حزب الفضيلة التركي الذي طبق مبدء العلمانية المؤمنة في سياسته ووصل الى السلطة وسط الأحزاب الليبرالية والقومية بشكل برلماني متحضر بعيد عن الوصايا والفتاوي الدينية، انما وفق برنامج انتخابي معتدل يحقق طموح نسبة كبيرة من الشعب التركي وبعيد عن التعصب الديني. إذ أستطاع ان يحصل على أغلبية الاصوات مما أهلهُ على تشكيل حكومة ذات دستور علماني ، تلبي طموح الأحزاب الدينية التركية وقوى العسكر والأحزاب العلمانية والليبرالية. ان أختيارحزب الفضيلة الطريق السلمي العلماني، انما هو ادراك واقعي لطبيعة تركيبة البلد القومي والديني والسياسي، مما ساعده ان يخرج بقوة من عنق الزجاجة ببرنامج  تركي وطني وخلق نموذج ديمقراطي علماني سلمي يحضى باحترام المجتمع التركي والمحفل الدولي.

اعتقد التجربة التركية قريبة الى التركيبة السياسية العراقية ، بأستثناء دور القوات العسكرية التي لها تأثير كبير في الحياة السياسية التركية، اما في العراق فهناك قوى عسكرية اخرى لها دور اكبر في الحياة السياسية العراقية.

أن أحزاب الدينية العراقية مطلوب منها قرائة صحيحة وهادئة للوحة السياسية العراقية ومزاج المجتمع العراقي، وتقديم برنامج سياسي ديمقراطي علماني يتفق علية الجميع للخروج من عنق الزجاجة بقوة وخصوصا انها تحضي لحد الأن بأغلبية الأصوات الأنتخابية. 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

Google


    في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع و النشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
  info@bentalrafedain.com