بحوث

محنة الطفولة تهديد خطير لحاضر ومستقبل العراق الجديد

الطفولة العراقية ضحية الحرب والإحتلال والعنف الطائفي والفساد وعجز الحكومة! (2- 5)

د. كاظم المقدادي

kalmukdadi@hotmail.com

من أجل الأطفال اليتامى والمرضى والمقعدين !

من أجل مستقبل المجتمع العراقي المهدد بعلل وظواهر مرضية خطيرة مستديمة !

 للسنة الخامسة على التوالي،لم يقدم نظام العهد الجديد،الذي نشأ على أنقاض نظام البعث الفاشي البائد، ما يفرح الطفولة العراقية ويسعدها لتشارك أطفال العالم في عيد الطفل العالمي- الأول من حزيران/ يونيو.. في هذه المناسبة،ومن أجل الأطفال اليتامى والمرضى والمقعدين، ومن أجل مستقبل الشعب العراقي،نستعرض في هذا الملف حقائق ومعلومات،معروفة وغير معروفة للجميع، متوخين تسلط الضوء على المحنة الراهنة للطفولة العراقية، التي تدين كل من تسبب بها، وعمل ويعمل على إستمرارها، أو تجاهلها،ولا يريد التخفيف منها،ضارباً عرض الحائط بتداعياتها وإنعكاساتها الخطيرة على حاضر ومستقبل المجتمع العراقي، المهدد بعلل وظواهر مرضية خطيرة مستديمة، ستشوه اصالته، وستتوارثها الأجيال، اَملين التحرك العاجل، وإبداء الرأي وتقديم المقترحات بشأن ما ينبغي القيام به من قبل أبناء وبنات العراق، في الداخل والخارج، تضامناً مع الطفولة العراقية المستباحة !

 

مأساة التهجير واللجوء القسري وإنعكاساتها على أطفالنا

  يبدو ان الغرباء هم أحنّ من المسؤولين العراقيين على مواطنينا.فبينما يلزم المسؤولون الصمت،كشفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن محنة هجرة ونزوح العراقيين هربا من فقدان الأمن.واشار أحدث تقرير لها الى تشريد ما يقارب 106 ألف عائلة عراقية داخل البلاد منذ تفجيرات سامراء في شباط/ فبراير 2006 ، بحسب جمعية الهلال الأحمر العراقية.ويقدر ان ثلثي النازحين هم من النساء والأطفال، الذين يعيشون في أسر ترعاها غالبا النساء"[1].وفي العاصمة بغداد وحدها تجاوز عدد العوائل المهجرة داخلها 43 ألف عئلة حالياً- بحسب مجلس محافظة بغداد [2].

 وبالنسبة للأطفال،فقد شهد العالم كيف ان التهجير القسري،بسبب الإرهاب والعنف الطائفي والتهديد بسبب الهوية والإسم، إضطر الاَلاف منهم الى ترك بيوتهم، وأحيائهم، ومدارسهم، وملاعبهم، وأصدقاءهم، وفقدوا صحتهم، والبعض منهم فقد حياته، بالحوادث والأمراض التي تعرضوا لها في أماكن أيوائهم الجديدة. وقد نقلت القنوات الفضائية معاناة الأسر العراقية وهي تعيش في خيم بالية، ويفترش أفرادها الأرض، يقاسون من برد الشتاء وحر الصيف، محرومين من الغذاء المناسب، ومن الكهرباء، والماء الصالح للشرب، ومن المرافق والخدمات الصحية. ولا أحد من المسؤولين العراقيين يقدم لهم المساعدة الفعلية، وإنما الكل يتاجر بمحنتهم،بينما هم محتاجون للمساعدة،لدرجة ان المئات منهم صاروا يستجدون لقمة العيش لأطفالهم..

 وحتى الأسر التي أفلحت بمغادرة العراق ووصلت الى دول المهجر سالمة لم تجد الراحة والإستقرار، وإنما يعيش معظمها أوضاعاً بائسة ومهينة الى حد لجوء بعض أفرادها الى ممارسة مهن غير شريفة من أجل تأمين لقمة العيش لأسرهم.

 حيال الواقع المأساوي لحال العراقيين المهجرين قسرياً أضطر أنطونيو غوتيريس- المفوض الأعلى لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة أن يُعلن قبيل انعقاد المؤتمر الدولي لبحث أزمة اللاجئين العراقيين بجنيف في 17 ـ 18 نيسان/أبريل المنصرم: « ثمة مؤامرة عالمية للتكتم على الأبعاد الإنسانية للأزمة العراقية، فالعالم يشاهد فقط الانفجارات والاشتباكات العسكرية على التلفزيون، ولكنه لا يرى ولا يسمع شيئاً عن موضوع اللاجئين»

 وتقدر الأمم المتحدة عدد العراقيين المشردين،وبضمنهم اَلاف الأطفال، داخل العراق وخارجه، بأكثر من 4 ملايين نسمة،أي ما يوازي 15 بالمئة من مجموع سكان العراق.

 من المؤسف والمحزن،أن العالم بأجمعه، وليس المسؤولين العراقيين فقط ، يتفرج ولا يحرك ساكناً على محنة العراقيين وأطفالهم،الذين هشم التهجير القسري، والعنفُ، والفاقة ُ، والمرضُ، أحلامَهم، بل إن كثيرا منهم تحول فعلا إلى رقم احصائي في سجلات المؤسسات الحكومية والدولية التي تعنى بمتابعة واقع الاطفال الصحي بدنيا ونفسيا. .وقد حذر أحد الأكاديميين العراقيين من أن الاطفال باتوا قنابـِلَ موقوتهً بسبب تعرضهم الدائم للانفجارات والاختطاف والقتل الجماعي، لتنفجر هذه القنابل في وجه المجتمع الذي ألقمهم البؤسَ والعذابَ في فترة نموهم الأولى[3]. وأشارت أرقامُ وزارة الهجرة والمهجرين إلى أن أكثرَ من 40 ألف من الأطفال شردوا خلال عام 2006 وحده، بسبب العنف الطائفي،وهؤلاء ينامون في أماكن غيرَ ملائمة للسكن، وآخرون فقدوا مدارسهم التي أحبوها.

 فما الذي قدمته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للأطفال ضحايا العنف؟

 وماذا عن وزارة الصحة، هل لديها ما يلزم من أطباء واخصائيين نفسيين لمعالجة آثار الصدمات النفسية؟

 من لأطفال العراق الغني بنفطه وثرواته الطبيعية والفقير على أطفاله؟[4].

 والى متى السكوت على معاناة هؤلاء العراقيين من أبناء وبنات العوائل التي تم تهجيرها جراء النزاعات الطائفية المسلحة الدائرة بين مليشيات الإسلام السياسي المتطرفة،بينما الحكومة ضعيفة وعاجزة عن ردعها ؟!

 

أطفالنا ضحايا الصدمات النفسية والعصبية

 لما بعد الحرب والإرهاب والعنف والتهجير القسري

 خلف نظام البعث الفاشي،من بين ما خلف، إصابة أكثر من 60 بالمئة من العراقيين بأمراض نفسية وعصبية، وقسم كبير منهم أُصيب بلوثات عقلية جراء المصائب التي مر بها،.مثلما خلف النظام المقبور الآلاف من ضحايا التعذيب..

 وفي أيامنا هذه، فان الاطفال هم الاكثر تعرضاً للأخطار الناجمة عن اعمال العنف والسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية في العراق. أكدت ذلك دراسة ميدانية، نشرت نتائجها مؤخراً، وأوضحت بان 40% من المصابين جراء حوادث العنف في العراق هم من الاطفال. وبينت دراسة أخرى إرتفاع نسبة الاطفال الذين يعانون من صدمة ما بعد الحرب وحوادث العنف بشكل مخيف، بسبب تزايد الإرهاب،والعنف،والخطف، والقتل، واستمراره..

  المؤسف ان الحالات المرضية،العصبية والنفسية والعقلية،بدلاً من أن تنخفض عقب سقوط نظام التعذيب والقتل والمقابر الجماعية، تزايدت أضعاف ما كانت عليه مع تزايد الأعمال الإرهابية والدمار والموت، التي أصبح الأطفال أبرز ضحاياها.أكدت ذلك الأمم المتحدة في أحدث تقرير لها نشر قبل أيام قلائل،،مبيناً إن معظم أطفال العراق عانوا من الصدمة خلال السنوات الاربع منذ غزو الولايات المتحدة لبلادهم.

 وفي الوقت الذي تعرض فيه معظم الاطفال العراقيين للصدمة، نرى أن قلة قليلة منهم - بحسب صندوق الامم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف)- يحصلون على الرعاية والدعم الضروريين لمساعدتهم على التغلب على هذا القدر الكبير من الفوضى والقلق والضياع[5]].ويجري هذا في وقت أصبح الجميع على علم بأن لجرائم القتل الجماعي، وتزايد عوامل الخوف والرعب والموت، وإنتشار أطلال الدمار والخراب والموت،الخ، تأثيرات خطيرة على حياة الأطفال.فقد أكدت الدراسات العلمية إرتفاع نسبة الاطفال الذين يعانون من صدمة ما بعد الحرب، وصدمة ما بعد جرائم الإرهاب والعنف البربري، بشكل مخيف في الأعوام الأربعة الأخيرة، بسبب تزايد جرائم القتل الجماعي، والخطف، والذبح، واستمرار الأعمال الإرهابية، بحيث إنعكست بشكل لافت على مجمل سلوك وتصرفات الاطفال. فتجد تلك الأعمال معكوسة في ألعابهم، وحتى في كتاباتهم ورسوماتهم.وتشير الأحصائيات المنشورة بأن الإرهاب حول 50 % من الأطفال في العراق ضحايا لجرائمه[6]..

 تحت عنوان: مشاهد الحروب والعنف اليومي تطغى على ألعاب الأطفال وتسرق براءتهم" نقل "الملف برس" عن المرشدة التربوية زاهدة خير الله حديثها بأسى عن الأطفال العراقيين،راسمة صورة قاتمة لحياتهم وتصرفاتهم.هذه الصورة يراها اختصاصيو علم الاجتماع، الخطوة الاولى لتغيير الانماط الثقافية والسلوكية، لدى الاطفال، تبدأ من مفرادت لغوية غريبة، وصولاً الى الالعاب وما تعكسه من انماط التفكير المستقبلية. ووصل مستوى تأثير مشاهد العنف والحروب في العاب الاطفال الى حد الإدمان ، بعد ان عزفوا عن الالعاب التي تساعدهم على تنمية ذكائهم وقدراتهم العلمية والذهنية،خصوصاً وقد أصبحت العاب العنف، كالاسلحة والمعدات العسكرية، بمختلف انواعها، منتشرة وبكثرة بين ايدي الاطفال، ووسيلتهم الترفيهية الأساسية[7].

 والحصيلة،عندما يأوي الاطفال الصغار الى فراشهم فأنهم يحلمون بأشرار يلوحون بسكاكين أو يخطفون ذويهم. وبالنسبة للبعض، مثل الطفلة زمان، البالغة من العمر 13 عاما، أضحت تلك الكوابيس حقيقة واقعة. فقد تعرضت للخطف والضرب، بل وهددت بالاغتصاب.يقول الدكتور حيدر عبد المحسن- أخصائي بالطب النفسي بمستشفى ابن رشد ببغداد، والمعالج للأطفال الذين يعانون اثار الحرب: بعد الغزو الامريكي صارت زمان تعاني من رعشة، وعصبية، وتلعثم، واضطراب النوم.وفي شباط/ فبراير الماضي أختطفت زمان في بغداد وهي في طريقها الى المنزل عائدة من المدرسة. وأوضح بأن امرأة مسنة طلبت منها أن تساعدها في حمل بعض الاكياس البلاستيكية وتعبر بها الطريق لتوقف سيارة أجرة. وبينما كانت تأخذ أكياسها من زمان جذبتها عنوة الى داخل سيارة الاجرة، وخدرتها وقيدتها. واحتجزت الفتاة في حجرة مع 15 فتاة أخرى لسبع ساعات قبل أن تداهم الشرطة المنزل وتطلق سراحها. وأضاف د.عبد المحسن: ضربوها وأبلغوها أنهم سيرسلونها للمتمردين لتصبح زوجة لأحدهم رغما عنها..

 أما نوزاد محمود ( 9 اعوام)،فقد شهد مقتل 4 من زملائه في المدرسة.وفي حادث اخر، قرر الاطباء بتر يد زياد رحيمة كوركيس، وهو مسيحي كلداني، في الثامنة من عمره، بعدما انفجرت سيارة مفخخة.ولن ينسى كوركيس ذلك الانفجار الذي حرمه من امه وشقيقه اللذين كانا يرافقانه في المنزل القريب من مقر المحكمة. ويقول لا انسى منظر امي واخي ابدا وهما غارقان في الدماء..

 ومثل هذه الحالات تحصل يومياً، وقد شهدها الآلاف من أطفال العراق!.. وأكدت قمر عبد الرحمن- المسؤولة في جمعية الهلال الاحمر ببغداد- بان نحو 30 % من الاطفال المعاقين المسجلين لديهم اصيبوا باعمال عنف، بينها انفجار سيارات مفخخة وعبوات ناسفة. واضافت: بين المصابين اطفال ميئوس من حالاتهم، واخرون لا يمكن معالجتهم داخل العراق . ويؤكد باسم الشمري- مدير منظمة الطفولة في الكوت، اصابة عدد كبير من الاطفال جراء اعمال عنف بينهم 24 طفلا وطفلة اصبحوا معاقين[8].

 وكانت دراسة اجراها اطباء نفسيون عراقيون عام 2006، بدعم من منظمة الصحة العالمية، أثبتت بان 30% من الاطفال الذين شملهم الاستطلاع في مدينة الموصل يعانون من اضطرابات نفسية، فيما تعرض 47% منهم في بغداد الى صدمة نفسية شديدة ادت الى معاناة 14% منهم باضطرابات نفسية شديدة كالاكتئاب والكوابيس والقلق[9].

 الى هذا،وجد فارس كمال نظمي، وهو يراجع احصاءات ترصد أحوال الطفل العراقي، بأن 89 % من أطفال العراق لا يحملون في أذهانهم سوى مصطلحات :السلاح" و"الرصاص" و"المتفجرات"، ويواجه 92% منهم معوقات في التعليم بسبب أجواء الخوف واللاأمان السائدة، ووصل 50 % الى حالة حرجة من الخوف قد تسفر عن تأخر عقلي في حالة عدم علاجهم. كما إن 9 أطفال، من بين كل 50 طفلاً في العراق، تعرضوا للخطف ، ويعاني 18% منهم من شلل مؤقت، وحركات لاارادية، وصمم مؤقت، وهستريا، وأمراض نفسية وبدنية أخرى!..وكل هذه المعطيات قادت نظمي الى إجراء مقارنة ذهنية سريعة بين ما ينبغي وبين ما هو كائن فعلاً في أرض الواقع العراقي، فاستنتج ببساطة:"إن عالم الكبار يعيد انتاج رذائله على الدوام، والأطفال حتماً هم الوارثون لها لأنهم كبار الغد"[10].

 وخلاصة القول:زاد عدد الأطفال العراقيين الذين يعانون من حالات الصدمة، والإنهيار، والخوف، والقلق، والإكتئاب الشديد، والضغط النفسي، والكوابيس، والتبول اللاإرادي،والأرق، خلال السنوات الأربع المنصرمة، أضعاف ما كان عليه قبل الحرب الأخيرة. وكان أطباء كبار، ووكالات إغاثة دولية متخصصة، قد حذروا من ارتفاع الحالات المرضية المذكورة، التي تمتد آثارها لسنوات وسط المجتمع، ونبهوا الى وخامة تداعيات الصدمة والأزمة النفسية، التي يصاب الأطفال بها جراء الأعمال البشعة، حيث ستؤثر على نموهم، وتنعكس على شخصيتهم وسلوكيتهم، وتدوم لسنوات طويلة، ومن نتائجها جنوح الأطفال،والسلوكية العدوانية، والعنف، والجرائم، وما الى ذلك. من جهته،حذر الدكتور عباس عليوي- أستاذ علم نفس الطفل- من هذا الواقع الغريب، الذي إذا استمر بين أوساط الأطفال فانه سيخلق جيلا يمارس العنف حتى بين أقرانه وذويه[11].

 

بعد هذا، ثمة أسئلة تطرح نفسها:

أليس مخزياً أن لا يضع الخلاص من نظام البعث الفاشي حداً للصدمات النفسية، والتوتر العصبي، والإضطرابات والأمراض العقلية ؟!

ألا تتحمل القوات المحتلة وحكومة المحاصصة والطائفية مسؤولية تفاقم الحالات المذكورة أكثر فأكثر؟!

ثم،هل إهتم أحد من المعنيين بالتحذيرات ؟ وما الذي فعله المسؤولون لصالح هؤلاء الأطفال الأبرياء ؟!!

 إنه لأمر مريب ان لا يهتم أحد من الحكام الجدد بهذه المعضلة، ولا يدرك المسؤولون المتنفذون خطورتها، في وقت ثمة حاجة ماسة للآلاف من أطباء الصحة النفسية والعلاج النفسي لأطفالنا!

 علماً بأن نحو 100 طبيب نفساني كان يوجد في العراق، وغادر أغلبهم مجبراً،خلال الأعوام الأخيرة، خوفاً من الإختطاف والقتل، ولا توجد حالياً ولا عيادة واحدة للعلاج النفسي! هذا في وقت يجزم فيه الأطباء والباحثون المختصون بأن خطورة التداعيات النفسية والعقلية سوف لن تقتصر على الجيل الحالي، وإنما ستنعكس سلباً على الأجيال اللاحقة، بكل تأكيد، وستدوم تداعياتها طويلاً في المجتمع العراقي.

 ويذكر،أننا طالبنا قبل 3 أعوام بإصدار قانون حديث للصحة النفسية، والتعجيل بإنشاء وحدات للصحة النفسية في أرجاء العراق، وتأسيس مركز وطني للصحة النفسية،بوصفها إجراءات اَنية وملحة وعاجلة يتطلبها حجم وخطورة الأمراض النفسية والعقلية والعصبية، وضحيتها الأساسية براعم حاضر ومستقبل الشعب العراقي. وقلنا إن إنجاح المهمة في العراق يستلزم تظافر جهود العائلة والمدرسة والمؤسسات الصحية والنفسانية، ولابد لمنظمات المجتمع المدني ان تلعب دورها الفعال في هذا المضمار، الى جانب وزارة الصحة، و الجمعية النفسية العراقية.ولن تتحقق المهمة بنجاح، في المرحلة الراهنة، من دون طلب المساعدة من منظمة الصحة العالمية، والجمعية العالمية للصحة النفسية، ومؤسسات أخرى..

 ولم يحصل،طبعاً،أي شيء من هذا ! وهو ما يؤكد ان المسؤولين الحاليين،كالسابقين،أما جهلة، وأما لا أباليين، لا تهمهم تداعيات الظواهر والعلل المرضية على مستقبل المجتمع العراقي، غير مدركين لخطورة المستقبل الذي يُرسم لمجتمعنا العراقي وفيه الآلاف من صناع المستقبل مشوهين جسدياً ومرضى نفسياً وعقلياً !

 

سوء التغذية ينهش بأجساد أطفالنا

 لن نخوض بتفاصيل الأزمة الإقتصادية الراهنة في العراق،تاركين إياها للإقتصاديين.لكننا نشير الى مسح إجتماعي اجراه الجهاز المركزي للاحصاء التابع لوزارة التخطيط والتعاون الانمائي، ونشرت نتائجه قبل أيام قلائل، يؤكد ان 9 ملايين عراقياً يعيشون تحت خط الفقر، وان نسبة كبيرة من شرائح المجتمع تعتمد كلياً على الاعانات الغذائية والسلع الاساسية المدعومة.علماً بأن المسح شمل عينات مختلفة من عموم المحافظات العراقية[12]. وكانت دراسات إقتصادية اكدت في وقت سابق بان حالات الفقر في العراق تتزايد بإستمرار بسبب عدم وجود خطط ومشاريع تقلل من الفقر المستشري في عموم المحافظات[13]. وكشف اَخر مسح اجتماعي اعده الجهاز المركزي للاحصاء التابع لوزارة التخطيط والتعاون الانمائي بان 55 بالمائة من الاسر العراقية تعاني-كما أسلفنا- من الوضع الاقتصادي والمتمثل بارتفاع الاسعار ونسب التضخم فضلا عن ضعف القوة الشرائي[15].

 

 فما الذي فعلته السلطات العراقية المسؤولة للمواطنين الفقراء ؟

 لا شيء طبعاً!،لكن.. لجنة الشكاوى في مجلس النواب،والحق يقال،قد " تكرمت" وساهمت- كما أعلن في 10/5/2007- في تسهيل معاملات مجموعة كبيرة تقدر بمئات المواطنين، من ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن والارامل والمهجرين، وشمولهم برواتب شبكة الحماية الاجتماعية، والطلب من الجهات المعنية بانجاز المعاملات دون تاخير وعدم التسويف في هذا الموضوع[14]..هلهولة !!

 ان للأزمة الإقتصادية تداعياتها على الأطفال أكثر من غيرهم،فتردي الحالة المعيشية للأسرة ينعكس مباشرة على الأطفال،معرضاً إياهم للفاقة والحرمان، وللإصابة بسوء التغذية، وبالتالي تتردى صحتهم العامة، وتسهل إصابتهم بالأمراض، فضلاً عما يسببه التردي من تسرب التلاميذ من المدارس،والتشرد، وعمالة الأطفال، وأخطارها،الخ.. وكل هذه سنتوقف عندها بالتفصيل لاحقاً.

 ولعل احد أبرز مؤشرات تدهور الأوضاع الإقتصادية والمعاشية للأسرة العراقية هو إنعدام الأمن الغذائي، الذي ضحيته الأساسية هم أطفال العراق، الذين لا يجدون للأسف من يحمي حقهم هذا بين المسؤولين الحاليين.والغذاء حينما لا يتوفر أو يكون بحصص محدودة او شحيحة، ومكوناته ذات فائدة أقل، فهو يهدد الصحة والحياة،خصوصاً بالنسبة للأطفال الصغار.

 وفي وقت يجري فيه الحديث عن إحتمال إلغاء الحصة التموينية،نجد من الضروري تذكير من يعنيهم الأمر بإعلان د. برهم صالح -وزير التخطيط والتعاون الانمائي السابق، قبل عامين، عن وجود ما يزيد عن 4 ملايين عراقي يعانون من إنعدام الأمن الغذائي، وحذر من زيادة العدد الى نسبة 47 % من المجتمع في حال إلغاء البطاقة التمونيية التي يعتمد عليها منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.وقد أكدت ذلك نتائج مسح خاص بتحليل الامن الغذائي والفئات الهشة شهر آيار/ مايو 2005، نفذته الوزارة مع برنامج الغذاء العالميWFP، وشمل 22050 عائلة،ومجموعها 143 الف فرد، من مختلف مناطق العراق، عدا محافظتي اربيل ودهوك. وأوضح صالح بأن المسح أظهر اَنذاك بان 15.4 % من الأسر التي شملها المسح غير آمنة غذائيا ،وهي بامس الحاجة الى مختلف أنواع المساعدات الانسانية، بما في ذلك المواد الغذائية، على الرغم من تسلمهم المواد التمونيية.وحذر من أن 8 ملايين و 300 ألف نسمة آخرين سيضافون الى مجموعة المواطنين غير الآمنين غذائيا إذا ما حرموا من مواد الحصة التموينية.وأضاف بأن 47 % من المجتمع سيواجهون مشاكل حقيقة في أمنهم الغذائي أذ ما قطعت مواد الحصة التمونيية دون تقويم متين لحاجاتهم. وأكد المسح أن نظام المواد التمونيية ما يزال هو المؤشر الرئيس للادلة على إستقرار الامن الغذائي في العراق، وأن 15 % من العراقيين يعيشون في فقر مدقع، وما ينفقه الفرد الواحد منهم يوميا يقل عن نصف دولار امريكي..

 في السياق ذاته، أشار تقرير حكومي، إعتمد على المسح الميداني المذكور، وشمل 98 منطقة في عموم البلاد، بأن واحداً بين كل 3 اطفال عراقيين، في مختلف المحافظات،يعاني من سوء التغذية.وأن الوضع أسوأ في المناطق البعيدة، حيث يعاني 33 % من الأطفال من مشاكل سوء التغذية، من قبيل بطء النمو ونقصان الوزن. وأن نقص التغذية يهدد حياة طفل بين كل 4 أطفال في العراق.وأوضح ان 25% من اطفال العراق، الذين تتراوح اعمارهم بين 6 اشهر و 5 اعوام ،يعانون في الوقت الحاضر من سوء التغذية المتمثل بالهزال والتقزم ونقص الوزن عن المعدل الطبيعي، وأن هذه النسبة تتباين ضمن مناطق العراق. من جهته،اعرب روجر رايت- الممثل الخاص لليونيسف في العراق عن اسفه العميق لما كشفته الدراسة، ونبه الى أن سوء التغذية يعيق النمو العقلي والإدراكي السليم للطفل، مما يتعذر علاجه.

 

فماذا كان رد فعل المسؤولين العراقيين المعنيين بهذه المشكلة الإجتماعية والطبية ؟

وهل أدركوا مدى عواقبها الوخيمة على الجيل الحالي والأجيال القادمة ؟

 الجواب يعطيه تقرير نشرته وكالة أنباء الأمم المتحدة (أيرين) في 5/3/2007،وأكد تزايد أعداد أطفال العراق الذين يعانون من سوء التغذية،وبمستويات مخيفة- حسب المختصين،حيث يعاني 4.5 مليون طفل في العراق من سوء التغذية. وحسب صندوق الأمم المتحدة للطفولة- اليونيسيف- فإن واحداً من كل 10 أطفال دون الخامسة مصاب بفقدان الوزن، وواحداً من كل 5 أطفال- دون الطول الطبيعي لعمره..لكن هذه الظاهرة تُجسّد جانباً من المشكلة فقط- حسب كلير حجاج - موظفة إرتباط في اليونيسيف- مركز دعم العراق- عمان ISCA، موضحة بأن: الكثير من أطفال العراق يُعانون من جوع خفي، ونقص الفيتامينات والمعادن اللازمة لاستكمال بناء الجسم وتطوير بنية الطفل فيزيولوجياً وفكرياً". وأضافت: "يصعب قياس النواقص، وكلها تؤدي بجسم الطفل نحو مزيد من عدم المقاومة وتُسهل احتمال إصابته بالمرض في مرحلة بداية دخوله المدرسة"..

 وتلكم قضية أخرى مهمة وخطيرة تحضى بإهمال المسؤولين العراقيين!

 

الهوامش:

1 - اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحذر من أزمة انسانية متفاقمة في العراق"،بغداد - (أصوات العراق)-13/4/2007

2 - بغداد-"نينا"،27/5/2007

3 - راديو سواء،أكاديمي عراقي: أطفال العراق باتوا قنابل موقوتة،16/4/2007

4- أطفال العراق بين طاحونة الإرهاب وإهمال الحكومة،راديو سوا،29/4/2007

5 - يونيسيف: أطفال العراق المصابون بالصدمة يفتقرون للرعاية- جنيف (رويترز)،24/5/2007

6 - 40% من ضحايا العنف في العراق من الاطفال ،" الصباح"،8/6/2006

7 - مشاهد الحروب والعنف اليومي تطغى على ألعاب الأطفال وتسرق براءتهم،بغداد – "الملف برس"،4/4/2007

8 - اطفال العراق .. ضحايا صراعات طائفية وسياسية ،"الجيران" – بغداد"فرانس برس"،21/05/2007.

9 - "فرانس برس"،21/05/2007:

10 - فارس كمال نظمي، مواقف: برلمان للطفل العراقي،" المدى"،21/5/2007

11 - ألعاب الأطفال تسلب براءتهم، واسط- حسن العزاوي،"الصباح"، 3/5/2006

12 - تسعة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر ، بغداد-"طريق الشعب"، العدد 165، 10/5/2007

13 - تسعة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر ،بغداد - عمر عبد اللطيف، "الصباح"،10/5/2007

14 - شمول أعداد كبيرة من المواطنين برواتب شبكة الحماية الاجتماعية،" الصباح"،10/5/2007

 

 

 

 

 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع و النشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@bentalrafedain.com