بحوث

استقلال السلطة القضائية وتوازن السلطات داخل الدولة

 فارس حامد عبد الكريم

ماجستير قانون / بغداد

 مهمة القضاء الاساسية تحقـيـق الــعـــدل فـى المجتمع وتطبيق وتفسير القوانين على الحالات التى تعرض امامه وحماية الحريات العامة وحقوق المواطنين، ويتمتع القضاء في الدولة القانونية بأستقلال عن باقي السلطات في الدولة حتى يتمكن من تحقيق مبدأ المساواة امام القانون، ويباشر عمله بحيادية، بما يضمن حسن سير العدالة. وتتكون هذه السلطة من الهيئات القضائية من المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وهيئات الادعاء العام والاشراف العدلي. ويمارس القضاء رقابته بموجب الدستور على السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال المحكمة الاتحادية العليا (المحكمة الدستورية كما تعرف في اغلب دول العالم ) ومحكمة القضاء الاداري، التي تختص بالنظر في مشروعية القرارات الادارية الصادرة من مختلف الجهات الادارية، ويمارس القضاءكذلك الرقابة على ذاته من خلال رقابة محكمة التمييز على القرارات والاحكام الصادرة من مختلف المحاكم.

ان من أهم الضمانات الاساسية لقيام مجتمع مدني، يقوم على مبدا سيادة القانون، وجود سلطة قضائية مستقلة في عملها عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، بحيث يكون القاضي في ممارسته لوظيفة القضاء حرا ومحايدا في اتخاذ لقراره. فالقاضي لايمكنه ان يكون محاديا الا اذا كان مستقلا في عمله، وهكذا يمكن القول ان الاستقلال والحياد صفتين متلازمتين، فالاستقلال سبيل الحياد والحياد سبيل تحقيق العدالة واحقاق الحق ورد المظالم.

ونقصد بأستقلال القضاء استقلاله كمؤسسة ويتجسد ذلك في استقلال القضاء اداريا وماليا وفي سلطة اتخاذ القرار، وأهم مظهر لأستقلال القضاء هو انشاء مجلس للقضاء يتولى ادارة شؤون العدالة وشؤون القضاة من حيث التعيين والنقل والعزل دون تدخل من السلطات الاخرى.

 ولكي يكون القاضي مستقلا، يتوجب توفير ضمانات اساسيه له، منها،ان يكون هناك نظام قانوني خاص لتعيين القضاة، ونقلهم،وترقيتهم،ويتولى ذلك مجلس يتم تشكيله من هيئات قضائية يتم تحديدها وفقا لأحكام القانون وأن يكون مرتبه كافيا.كما انه يتوجب تحصين القاضي من النقل والعزل، الا وفقا للقانون، حتى لايكون ذلك وسيلة ضغط على القاضي، كما ويجب اختيار من يتولى القضاء بعناية خاصة ممن شهد لهم بالكفاءة العلمية والنزاهة والاستقامة، لان جهل القاضي بالقانون وبمبادئه العامة وعدم نزاهته مدعاة للظلم وضياع الحقوق.

 كفـاءة مؤسسة العدالة في المجتمع : ان القاضي ولاشك هو العنصر الجوهري في نظام العدالة , وهو المعبر عن ضمير العدالة في مجتمعه وقيمه وتعبر احكامه عن مدى فعالية النظام القانوني السائد ومدى استقراره، الا ان كفاءة وفعالية نظام العدالة لاتقوم على جهود القاضي بمفرده، اذ تكمل جهوده جهود الادعاء العام وفقهاء القانون وشراحه والمحامين والمحققين والكتبة والخبراء.

والادعاء العام عنصر جوهري في نظام العدالة ايضا وترتبط وظيفة الادعاء العام بتحقيق العدالة وترسيخ قيمها في المجتمع ووضع دعوى الحق العام في مسارها الصحيح وكفالة سلامة اجراءات العدالة في مرحلة التحقيق والمحاكمة ومرحلة تنفيذ الاحكام، وتتطلب مهمة الادعاء العام الاتصاف بالانصاف المرونة والذكاء.

 ولترسيخ تقاليد حيادية واستقلال القضاء في العراق فقد نصت المادة (98) من الدستور على انه :-

 ( يحظر على القاضي وعضو الادعاء العام ما يأتي :

اولا: الجمع بين الوظيفة القضائية والوظيفتين التشريعية والتنفيذية او اي عمل آخر.

 ثانيا: الانتماء إلى اي حزب أو منظمة سياسية، أو العمل في اي نشاط سياسي.)

 وللفقه القانوني دور مهم في تطوير القانون واحكام القضاء اذ غالبا مايسترشد القاضي الرصين الطموح لتحقيق العدالة الحقة بأراء فقهاء القانون وشراحه لتكون قناعته في قراراته واحكامه مبنية على اساس علمي راسخ، ومما يؤسف له ان دور الفقه انحسر كثيرا في ظل النظام السابق لاسباب متنوعة منها كثرة التعديلات الواردة على القوانين فضلا عن ان الكثير منها قد خرج عن القواعد والمباديء القانونية العامة مما يجعل من شرحها امرا يثير التردد لدى رجال الفقه والقانون في العراق.

ومما يؤسف له انه بصدور القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 توقف تدريس القواعد الفقهية التي كانت تتضمنها مجلة الاحكام العدلية بداعي الغاء المجلة، والحال ان هذه القواعد لايمكن ان تلغى وان الغي العمل بالمجلة لانها ليست خاصة بالمجلة بل هي قواعد خاصة بالتفكير المنطقي السليم حسب الاصل اوجدها الفقه والقضاء الاسلامي عبر تاريخه العلمي المشرف لتفسير النصوص الشرعية وتبنتها المجلة فيما بعد، وتساعد دراستها على تنمية روح العدالة والحق لدى القضاة ورجال القانون وتقوية ملكة التفسير القويم للنصوص ايا كان مصدرها،سواء كان شرعيا او وضعيا، وفي خلق ثقافة قانونية منطقية كان لها الاثر الواضح في ثقافة القضاة الاوائل في العراق. وندعو في هذا المقام الى اعادة تدريسها في كليات القانون والمعاهد القضائية.

وترتبط مهنة المحاماة بصفة اساسية بتأمين حق الدفاع الذي كفلته الدساتير والقوانين الحديثة فضلا عن ان للمحامين دورمهم في الدفاع عن الحريات العامة وحماية حقوق الانسان. والمحامي مستقل في عمله ايضا وتعرف المحاماة بحق بأنها القضاء الواقف بأعتبارها جزءا مهما من عملية التقاضي وتعبيرا عن دور المحامي في اظهار الحقيقة واحقاق الحق، ومن جانب اخر فأن المحاماة علم وفن فهي علم لان المحامي يستند في اقواله ودفوعه الى التحليل العلمي للوقائع ومنطق ترابط الامور والاحداث وهي فن لان لهيئة المحامي وبلاغته وذكائه وحركاته المحسوبة اثناء استنطاق الشهود اوالمتهمين دور كبير في استظهار الحقيقة وعلى هذا فان من مقتضيات القضاء العادل احترام استقلال المحامي واتاحة الوقت الكافي له لابداء اقواله ودفوعه وان يعطى الوقت الكافي للاستعداد للمرافعة والاستجابة لطلباته المشروعة.

وجاء الاعلان العالمي الصادر عن الامم المتحدة في 7 ايلول 1990 المتعلق بالمبادىء الاساسية لمهنة المحاماة ليكرس دور مهنة المحاماة في تحقيق العدالة الى جانب القضاء المستقل.

وللمحقق دور مهم في معاونة القاضي في سبيل تحقيق العدالة وخاصة في مجال استكمال التحقيق واجراءاته في وقت مناسب وتتطلب مهنة التحقيق الفطنة والذكاء الحاد مما يسهل على القاضي سرعة استظهار الحقيقة، والعمل في مجال التحقيق خير مدرسة لتخريج القضاة كما اثبتت التجربة حيث يتدرب المحقق الشاب على يد القضاة من ذوي العلم والمعرفة والخبرة اثناء مباشرته لعمله، وينبغي ان تتمتع الاجهزة المعاونة للقضاء بمستوى عالي من الكفاءة والخبرة والنزاهة فالفساد الذي يصيب مهنة المحاماة او المحققين او الكتبة ستكون له نتائج سلبية على امر تحقيق العدالة في المجتمع كما ان بطء التقاضي يولد اثارا سلبية على الاقتصاد والمجتمع، اذ يعتبر القضاء البطيء عائقا في وجه نمو الاستثمار الوطني والاجنبي، ويتسبب في تفشي العنف والانتقام الفردي وقلة استعداد الناس للجوء الى القضاء.

وبما ان استقلال القضاء ليس مقصودا لذاته، بل هو شرط لضمان تحقق العدالة، لزم الامروجود ضمانات اجرائية ومباديء موضوعية ينص عليها في صلب الدستور تضمن تحقق العدالة، ومن الضمانات الاجرائية : مبدأ شخصية الجريمة والعقاب، مبدأ عدم جواز المحاكمة أو العقوبة مرتين على ذات الفعل، مبدأ علنية المحاكمة، حق المواجهة بين الخصوم، حق الطعن في الاحكام، مبدأ أن لايضار الطاعن بطعنه، مبدأ أن تجري المحاكمة من دون تأخير، ومن المباديء الموضوعية : قرينة براءة المتهم حتى تبت المحكمة في الدعوى،لاجريمة ولاعقوبة الابنص قانوني يحدد بدقة ووضوح السلوك محل التجريم، عدم رجعية القانون الجنائي، تطبيق القانون الاصلح للمتهم، ضمان الحق في الدفاع وحرمته، مبدأ تناسب العقوبة مع جسامة الفعل.وقد نصت المادتين (15) و(19) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 النافذ على جزء مهم من هذه الضمانات والمباديء.

وعلى هذا ذهب القول المأثور الى ان ( استقلال القضاء لم يشرع لينعم به القضاة وانما لينعم به المتقاضون ).

استقلال القضاء في الوثائق الدولية :

اهتم المجتمع الدولي بالقضاء والمباديء الاساسية التي يجب ان يقوم عليها، واشار ميثاق الامم المتحدة الصادر سنة 1945 الى ( ان شعوب العالم تؤكد تصميمها لايجاد الظروف التي تمكّن من تحقيق العدالة للوصول الى التعاون المتبادل بين الدول وتشجيع حقوق الانسان بدون تمييز).

وقد اولى المجتمع الدولي خلال النصف الاخير من القرن العشرين اهتماماًً خاصاًً بمسألة سيادة حكم القانون واستقلال القضاء ومهنة المحاماة واعلان المباديء الاساسية لاستقلال القضاء ولمبادىء مهنة المحاماة.

و تمثلت هذه الجهود في قيام لجنة الحقوقيين الدوليين في جنيف في سنة 1978 بإنشاء مركز استقلال القضاء لتطوير مبادىء هذا الاستقلال وفق المعايير الدولية ليكون نموذجا عالميا.

كما ان لجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان ولجنة الامم المتحدة لمنع الجريمة، قامتا بجهود متميزة في هذا المجال توجت بالاعلان العالمي لاستقلال القضاء الصادر عن مؤتمر مونتريال ـ كندا، المنعقد سنة 1983 وقد اعتمد مؤتمر الامم المتحدة المنعقد في ميلانو سنة 1985 هذا الاعلان واقرته الجمعية العامة للامم المتحدة في 29 تشرين الثاني من نفس السنة.

وقد تضمن هذا الاعلان في شكل اساسي مقدمة وستة فصول :

الفصل الاول يعنى باستقلال القضاء، حيث اوجب الاعلان على كل دولة ضمان استقلال القضاء في الدستور او القانون الوطني وعلى كل المؤسسات الوطنية احترام ذلك. واوجب على القضاء ان يحقق في الدعاوى المعروضة امامه بحياد وفقاًً للوقائع والقانون بدون اي تقييد او تأثير او تدخل او ضغط بصورة مباشرة غير مباشرة. ووينعقد للقضاء الاختصاص حول القضايا ذات الطبيعة القانونية وله حصراًً سلطة التقرير فيما إذا كانت القضية تدخل ضمن اختصاصه ام لا. كما ويحظر التدخل في مسار الدعوى ولكل فرد الحق في المحاكمة امام محاكم عادية مكونة تكوينا قانونيا.

اما الفصل الثاني فيكرس حرية التعبير والاجتماع للقضاة، بينما يشير الفصل الثالث الى الصفات التي يجب ان يتحلى بها القاضي وطريقة اختياره وتدريبه بينما اشارالفصل الرابع الى شروط عمل القاضي والضمانات المعطاة له وهو يؤدي عمله عمله ووتناول الفصل الخامس سرية المهنة والحصانة ونص الفصل السادس على اصول تأديب القضاة وتوقيفهم عن العمل وعزلهم.

استقلال القضاء وحقوق الانسان : جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948على انه ( ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطر المرء أخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم …..),ونصت المادة الثامنة من الإعلان على انه ( لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لأنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون )

 ومن هذه الحقوق الأساسية حق الإنسان في الحياة وحقه في سلامة بدنه وكيانه الاعتباري وحقه في المحافظة على أمواله وحقه في إثبات براءته من التهمة المنسوبة له...

كما نصت المادة التاسعة على انه ( لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا ).

ونصت المادة العاشرة على مبدأ المساواة ( لكل إنسان الحق , على قدم المساواة التامة مع الآخرين , في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وآيه تهمة جنائية توجه إليه).

وجاء في المادة (14) من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية و السياسية لسنة 1966ما يلي :

 ( 1ـ جميع الأشخاص متساوين أمام القضاء.ولكل فرد الحق , عند النظر في أية تهمة جنائية ضده أو في حقوقه والتزاماته في إحدى القضايا القانونية , في محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استنادا إلى القانون ………

 2ـ لكل فرد متهم بتهم جنائية الحق في أن يعتبر بريئا ما لم تثبت إدانته طبقا للقانون. )

ويترتب بناءا على ماتقدم مايأتي :

اولا: لايرغم المتهم على اثبات برائته وبخلافه يعتبر مذنبا، لأن الاصل فيه انه بريء.

ثانيا: الشك يفسر لصالح المتهم لانه يقوي اصل البراءة فيه والاصل لايزال الابيقين.

فأذا شك القاضي في ان المتهم قد اتى الفعل او لم يأته بناءا على الادلة غير الكافية او التي يناقض بعضها فالأصل انه لم يأته.

واذا شك ان كان قد اتاه استعمالا لحق ام عدوان فالاصل انه استعمالا لحق تاكيدا لاصل البراءة.

واذا كانت الوقائع المسندة للمتهم ثابتة الا انه قام شك في تكييفها هل هي سرقة ام خيانة امانة ام حيازة مال مسروق مثلا فالعبرة بالوصف الاخف لانه القدر المتيقن.

ثالثا: اي ضعف في الادلة يقوي اصل براءة المتهم ولاتفترض ادانته ولاتجوز ادانته بناءا على اعتقاد قوي وانما بناءا على الجزم واليقين.

رابعا: لايجوز ادانة المتهم بناءا على قول المدعي وحده، لان المدعي يدعي خلاف الاصل والمتهم محصن بأصل براءته وبالتالي فالقول قوله لموافقته هذا الاصل وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( لو يعطى الناس بدعاواهم لادعي ناس دماء رجال واموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من انكر ).

ونرى تجويز قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل في المادة (216) منه للقاضي للاخذ بأفادة المجني عليه تحت خشية الموت كبينة للادانة بداعي ان المجني عليه في هذه المرحلة يكون اقرب الى ربه فيقول الحقيقة، انه يتعارض مع مباديء وحقوق الانسان ولاتدعمه الوقائع والاحداث البشرية فنلاحظ مثلا ان من يتعرض للحرق يحاول الامساك بالاخرين ليحرقهم معه ويتمسك الغارق بمن يحاول انقاذه ليغرقه معه فأين القرب من الله تعالى في مثل هذه الاحوال، خاصة وان العقوبات المترتبة على ذلك عقوبات شديدة في الغالب.

طبيعة الاستقلال المؤسسي : يقوم الاستقلال المؤسسي على ثلاثة مظاهر، الاستقلال الاداري والاستقلال المالي والاستقلال في سلطة اتخاذ القرار وهذا هو الاستقلال الكامل، اما الاستقلال الجزئي فيتضمن الاستقلال المالي مع قيود محدودة على الاستقلال الاداري وعلى سلطة اتخاذ القرار وحسب النظام القانوني السائد في هذه الدولة او تلك، وفي ضوء ذلك تنشأ الصلاحيات من حيث النوع والطبيعة والسعة :

1- الاستقلال الاداري : ينبغي ان تكون الصلاحيات الادارية كاملة بيد الهيئة المستقلة من دون تدخل غير مبرر من اية سلطة اخرى لان اعطاء اية صلاحيات ادارية لسلطات اخرى في مواجهة الهيئة المستقلة هو انتقاص من استقلاليتها وتحول من الاستقلال الكامل الى الاستقلال الجزئي في حقيقته ومعناه، وعلى هذا الاساس تنفرد كل سلطة من السلطات المستقلة بتنظيم شؤونها الادارية من دون تدخل اداري من السلطات الاخرى.

2- الاستقلال المالي : وهذا اهم مظهر من مظاهر الاستقلال وبدونه لايعد هناك استقلال حقيقي اذ يتيح هذا الاستقلال للهيئة حرية التصرف القانوني ودعم تنفيذ القرارات من دون اعاقة تفرضها طبيعة العلاقات الادارية السائدة في الدولة،فأذا لم يكن بيد الهيئة الاموال الكافية المخصصة سلفا الكافي فأن قدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذ مشاريعها ستكون محدودة ومرتبطة بموافقات وسلسلة مراجع قد تؤدي في كثير من الاحيان الى التردد في اتخاذها وهكذا يحبط الروتين الاداري الكثير من الافكـار الخلاقـة.

ان الاستقلال المالي يتيح حرية الحركة والتصرف بسرعة لسد النواقص والثغرات والتحديد الملائم للحاجات. ذلك ان من اهم صور الضغط الذي يمكن ان تمارسه السلطة التنفيذية على الهيئات المستقلة هو الضغط المالي وعدم اعطاء الموافقات اللازمة على الطلبات وشحة التخصيصات وغير ذلك من وسائل واساليب.

والاستقلال المالي من اهم مظاهر الاستقلال الجزئي ايضا وهكذا تتمتع بعض الهيئات بالاستقلال المالي وان كانت جزءا من السلطة التنفيذية كما هو حال الجامعات والكليات في معظم دول العالم ومنها العراق لاتاحة قدر من حرية البحث العلمي والتطوير.

3ـ الاستقلال في اتخاذ القرار : من الاهمية بمكان ان يكون للهيئات المستقلة استقلالا تاما سلطة اتخاذ القرار النهائي في حدود صلاحياتها القانونية من دون تعقيب من جهة ادارية اخرى موازية لها اواعلى منها وهذا هو جوهر الاستقلال ومضمونه الا ان قراراتها تخضع لرقابة القضاء وله الغائها اذا صدرت خلافا للقانون.اما اذا كان الاستقلال جزئيا فأن للجهة الادارية الاعلى التعقيب على قراراتها.

واذا كنا نتحدث عن استقلال القضاء، أواستقلال اية سلطة عن الاخرى، فأننا لانقصد الاستقلال المطلق، فمثل هذا الاستقلال سيؤدي في النهاية الى انهيار الدولة وعجز مؤسسات الدولة عن اداء واجباتها بشكل طبيعي،، اما الاستقلال النسبي فهو الذي يتيح امكانية الرقابة المتبادلة،( فالسلطة توقف السلطة ) كما يذهب مونتسكيو،على ان تكون هناك رقابة متبادلة بينها منعا لتعسف اي سلطة من هذه السلطات في استعمال الصلاحيات المقررة لها، ان الرقابة المتبادلة بين السلطات في الدولة لا تتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، لان مبدأ الفصل بين السلطات لايعني في صورته القانونية الحديثة، الفصل المطلق بين السلطات كما فهم في تطبيقاته الاولى، اذ تحكمه حاليا فكرة النسبية، فلا يوجد فصل مطلق ولا استقلال مطلق لاية سلطة من سلطات الدولة عن السلطات الاخرى، واستقلال القضاء محكوم بهذه الفكرة ايضا فالأصل انه لا يجوزالتدخل في شؤون القضاء او التأثير على احكامه بأية صورة من الصور، الا ان استقلال القضاء ليس مقصودا لذاته، بل هو شرط لضمان تحقق العدالة، ولذا تتيح فكرة الاستقلال النسبي امكانية الرقابة المتبادلة والتعاون بين هذه السلطات، و يتيح الاستقلال النسبي صلاحيات قانونية لاي سلطة من السلطات تجاه السلطات الاخرى، كسحب البرلمان الثقة من الحكومة او حل البرلمان من قبل الحكومة واعادة الانتخابات وصلاحية القضاء في الغاء القوانين الصادرة من السلطة التشريعية المخالفة للدستور وصلاحيته في الغاء القرارات الادارية المخالفة للدستور او للقانون. ولكي لايتحول القضاء بدوره الى مؤسسة مغلقة فأن رقابة السلطة التنفيذية والتشريعية على سلطة القضاء تمثل صمام الأمان لذلك، ومن مظاهر هذه الرقابة في القونين المقارنة اشتراك السلطة التنفيذية والتشريعية في تعيين وعزل رئيس مجلس القضاء بعد ان يرشحه مجلس القضاء وكذلك الامر في حالة تعيين اعضاء المحكمة العليا، وفي حق رئيس السلطة التنفيذية في اصدار العفو العام او الخاص وفي التوقيع على احكام العقوبات القصوى، وفي استئذان وزير العدل بشان اتخاذ الاجراءات القضائية بالنسبة للجرائم ذات الطبيعة الدولية، وهذه الامثلة تعبر عن مظاهر الرقابة المتبادلة بين السلطات المختلفة، فالاستقلال نسبي لامطلق، وهذا يمثل افضل الحلول، ذلك ان الاستقلال المطلق لاي سلطة من السلطات يقودالى الفساد والى نشوء نوع من الدكتاتورية المؤسساتية التي تفقد التعاون اللازم بين هذه السلطات مرونته بعدم اخذ اي سلطة من هذه السلطات الاعتبارات التي تهم السلطة الاخرى بنظر الاعتبار. فالرقابة المتبادلة تمثل الحد النسبي لاستقلالية اي سلطة، فقد يصدر القضاء، مثلا، حكما عادلا ولكنه يتعارض مع مصلحة الدولة السياسية، كأن يؤدي الى ازمة اجتماعية أو ازمة دولية، وهنا يأتي دور رقابة السلطة التنفيذية من خلال اصدار العفو وغير ذلك من اساليب الرقابة المتبادلة.وجاء في الفقرة (1) من المادة (11) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 ( نظرا لأهمية استقلالية القضاء وماله من دور حاسم في مكافحة الفساد،تتخذ كل دولة طرف، وفقا للمباديء الاساسية لنظامها القانوني ودون مساس بأستقلالية القضاء، تدابير لتدعيم النزاهة ودرء فرص الفساد بين اعضاء الجهاز القضائي. ويجوز ان تشمل تلك التدابير قواعد بشأن سلوك أعضاء الجهاز القضائي.)

كما ان تعدد الجهات ذات الطبيعة القضائية غير المرتبطة ببعضها ومنحها صلاحيات قضائية لايتعارض مع استقلال القضاء وهو امر وارد في القوانين الحديثة مثل (المحاكم الدستورية،القضاء الاداري، الادعاء العام المستقل عن مجلس القضاء، النيابة الادارية، المحاكم الادارية، محكمة الكمارك ) ومن تطبيقات ذلك ان العديد من القوانين ومنها القانون المصري تخول جهاز النيابة العامة بمختلف انواعها حق اصدار مذكرات القاء القبض واطلاق السراح والاحالة على المحكمة المختصة.

 

مظاهر الرقابة على اعمال السلطة القضائية في القانون العراقي:

سبق البيان بأن استقلال القضاء، وفقاً للفكر القانوني الحديث، ليس استقلالاً مطلقاً بل هو استقلال نسبي حاله حال استقلال السلطات الاخرى، والرقابة المتبادلة بين السلطات المختلفة هي التي تمثل الفرق بين الاستقلال المطلق والاستقلال النسبي. ومن مظاهر هذه النسبية والرقابة في القانون العراقي نص البند (أ) من الفقرة خامساً من المادة (61) من الدستورالتي خولت مجلس النواب الموافقة على تعيين كل من رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الاشراف القضائي بالاغلبية المطلقة، بناءً على اقتراح من مجلس القضاء الاعلى، وصلاحية رئيس الجمهورية وفقا للفقرة (اولا) من المادة (73) من الستور في اصدار العفو الخاص بتوصية من رئيس مجلس الوزراء باستثناء ما يتعلق بالحق الخاص والمحكومين بارتكاب الجرائم الدولية والارهاب والفساد المالي والاداري. وصلاحية رئيس الجمهورية بالعفو عن مرتكبي الجرائم (المواد 153-154) عقوبات. وصلاحية رئيس الجمهورية في المصادقة على احكام الاعدام التي تصدرها المحاكم المختصة وفقا للفقرة (ثامناً) من المادة (73) من الدستور. وكذلك نص المادة (136/ ب) اصول التي توجب استئذان الوزير المختص بشأن احالة الجرائم المرتكبة اثناء الوظيفة او بسسبها الى القضاء. واستئذان وزير العدل قبل تحريك الشكوى الجزائية بشأن الجرائم الواقعة خارج العراق (المادة 14) عقوبات، وتعيين القضاة بمرسوم جمهوري، وغير ذلك من اساليب الرقابة المتبادلة.

 يتضح مماتقدم أن الرقابة المتبادلة لاتتعارض البتة مع استقلال القضاء، فلا علاقة لهذه الرقابة بتقرير البراءة او الادانة، لانها تتعلق بأجراءات قانونية تمثل نقطة توازن مشتركة بين اعمال السلطات المختلفة حيث يبقى تقرير الحكم ( البراءة او الادانة ) في النهاية بيــــد القضاء.

 

موقف الدستور العراقي من استقلال القضاء :

حسب المادة (89) من الدستور تتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الاعلى، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الاشراف القضائي، والمحاكم الاتحادية الاخرى التي تنظم وفقا للقانون. ونصت الفقرة اولا من المادة (19) من الدستور على ان (القضاء مستقل لاسلطان عليه لغير القانون ).

وكان نص المادة الثالثة والاربعون فقرة ( أ) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية قد حصر مفهوم استقلال القضاء في تقرير ( براءة المتهم او ادانته وفقاً للقانون من دون تدخل السلطتين التشريعية أو التنفيذية....) بالقضاء. الا ان المادة (88) من دستور جمهورية العراق قد وسعت من نطاق هذه الاستقلالية حيث نصت على انه ( القضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولايجوز لاية سلطة التدخل في القضاء او شؤون العدالة ) ونصت المادة (97) من الدستور على ان (القضاة غير قابلين للعزل الا في الحالات التي يحددها القانون كما يحدد القانون الاحكام الخاصة بهم وينظم مساءلتهم تأديبيا ).والحال ان هذه النصوص قد وسعت من مظاهر استقلال القضاء العراقي بحيث منع السلطتين التشريعية (مجلس النواب ) والسلطة التنفيذية من التدخل في القضاء او شؤون العدالة بأي شكل من الاشكال، وبهذا التطور المهم اصبحت السلطة القضائية في العراق تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية من الناحية الدستورية.

 ويعبر هذا التطور عن طموح قضاة العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة الى تحقيق استقلال القضاء دستوريا وواقعيا ولرئيس مجلس القضاء الاعلى الاستاذ مدحت المحمود دور جوهري في هذا التطور فضلا عن جهود زملائه من القضاة الاكفاء الذين ساهموا عبر الزمن من خلال بحوثهم ومقالاتهم في هذا المجال، ان هذا التطور التاريخي بحق يضع مسؤولية اكبر على عاتق مجلس القضاء الاعلى للاستمرار في بذل الجهود لتطوير اداء القضاة واعوانهم واتاحة الوسائل اللازمة لهم للاطلاع على العلوم القانونية الحديثة واتباع تقاليد بحثية راسخة بين القضاة.

 

 التنظيم الدستوري للقضاء في العراق :

اولى المشرع الدستوري القضاء العراقي عناية خاصة وافرد له فصلا خاصا هو الفصل الثالث من الباب الثالث فضلا عن ما ادرجه من مباديء عامة وضمانات في الباب الاول منه ( المباديء الاساسية) والباب الثاني ( الحقوق والحريات ) حيث نص في الفصل الثالث على تشكيل مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية العليا واختصاص كل منهما وكما يأتي :

 

اولا ـ مجلس القضاء الاعلى :

 حسب المادة (90) من الدستور يتولى مجلس القضاء الاعلى إدارة شؤون الهيئات القضائية. وحسب نص المادة (91) من الدستور فأن مجلس القضاء يمارس الصلاحيات الآتية :

 اولا: إدارة شؤون القضاء والاشراف على القضاء الاتحادي.

ثانيا: ترشيح رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الأِشراف القضائي وعرضها على مجلس النواب للموافقة على تعيينهم.

 ثالثا: اقتراح مشروع الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية وعرضها على مجلس النواب للـموافقة عليها.

 

ثانيا ـ المحكمة الاتحادية العليا :

تستخدم القوانين المقارنة اسم ( المحكمة الدستورية العليا ) للدلالة على هذه المحكمة، وربما كان من الافضل استخدامه من قبل مشرعنا الدستوري لتكون دلالة الاسم واضحة بشأن معنى واهم اختصاصات هذه المحكمة.

 وقد نصت المادة (92) من الدستور على تشكيل المحكمة الاتحادية واختصاصاتها حيث جاء فيها ان المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا واداريا، وتتكون من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون، يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن باغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب.

 وحسب المادة (93)من الدستور،تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي :

 اولا: الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة.

ثانيا: تفسيرنصوص الدستور.

 ثالثا: الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الافراد وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة.

 رابعاً: الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية.

خامسا ً: الفصل في المنازعات التي تحصل فيما بين حكومات الاقاليم أو المحافظات.

 سادساً: الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وينظم ذلك بقانون.

سابعا ً: المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.

ثامنا ً:

أ- الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للاقاليم والمحافظات غيرالمنتظمة في اقليم.

ب- الفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للاقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في اقليم.

وحسب المادة (94) من الدستور فان قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة.

ومن الجدير بالذكر ان الأمر رقم (30) لسنة 2005 (قانون المحكمة الاتحادية العليا) الصادر من مجلس الوزراء بموافقة مجلس الرئاسة في 24/2/2005 وذلك حسب صلاحياته التشريعية في حينها، قد نظم اعمال هذه المحكمة حيث نصت المادة (1) منه على انه :

 ( تنشأ محكمة تسمى المحكمة الاتحادية العليا، ويكون مقرها في بغداد تمارس مهامها بشكل مستقل لا سلطان عليها لغير القانون ).

 

المراجع:

ـ ميثاق الامم المتحدة لسنة 1945.

ـ الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948.

ـ الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية و السياسية 1966.

ـ الاعلان العالمي لاستقلال السلطة القضائية لسنة 1985.

ـ الاعلان العالمي المتعلق بالمبادىء الاساسية لمهنة المحاماة لسنة 1990.

ـ قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969.

ـ قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل.

ـ اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003.

ـ قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية.

ـ الأمر رقم (30) لسنة 2005 (قانون المحكمة الاتحادية العليا).

ـ دستور جمهورية العراق لسنة 2005.

ـ دراسات في الادعاء العام ـ مركز البحوث والدراسات،جامعة نايف للعلوم الامنية، الطبعة الاولى ـ 2004.

ـ مجلة الاحكام العدلية ـ تاليف مجموعة من فقهاء وعلماء الخلافة العثمانية ـ طبعة قديمة.

ـ المقاصد العامة للشريعة الاسلامية ـ د يوسف حامد العالم ـ الطبعة الثانية سنة 1994.

ـ الدكتور أحمد فتحي سرور، الحماية الدستورية للحقوق والحريات، دار الشروق، طبعة 2000.

ـ الدكتور عبد المنعم محفوظ، علاقة الفرد بسلطة الحريات العامة وضمانات ممارستها، دار الهناء للطباعة، القاهرة.

ـ الدكتور إبراهيم شيحا - الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، الدار الجامعية.

 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@brob.org