مقالات

مقومات بناء الديمقراطية

 

نحتاج إلى ديمقراطية واعية؛ تقترن بتنمية الإنسان العراقي،تقوم على مبادئ العدل والمساواة، تجسد شعور المواطنة والولاء للوطن، وتحرر عقولنا من الفئوية المقيتة وموروث المحرمات المقيَد للحرية و التقدم.

الدكتور عدنان بهية / مركز البحوث و الدراسات / معهد أكد الثقافي

نطاق التحول الديمقراطي

تعبر الديمقراطية عن مفهوم تاريخي يضمن في سياق عملية صعبة حرية صنع القرار الوطني. ويتمثل جوهر الديمقراطية في توفير وسيلة منهجية حضارية لإدارة المجتمع السياسي بغية تطوير فرص الحياة، بما توفره من نظام سلمي للعلاقات الاجتماعية في ظل بنية مؤسساتية إنسانية تتسم باستمرار النمو والكفاءة، وتحمل في مضمونها مبدأ المساواة الذي يتجاوز مفهومه الليبرالي السياسي إلى المساواة الاقتصادية والاجتماعية النسبية، وتقوم على بناء إرادة المواطنة الواعية الفعالة: إرادة المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من واجبات وحقوق ومشاركة في التنمية وثمارها. الديمقراطية وفق هذا المفهوم عملية حضارية واعية تقترن بالتنمية البشرية والمادية الشاملة المتصاعدة، تتأسس حول الإنسان بدءاً بتنمية القاعدة، أي الأغلبية الأكثر فقراً. ويرتبط بذلك إن الديمقراطية هي عملية تغييرية وبنائية جذرية في آن واحد، وتقوم على مبادئ الحرية التي تجسد قضية إنسانية وتعبر عن ملكية الإنسان لفكره وإرادته وتمنحه شعور المواطنة، وتعمل على تحرير عقله من القيود والمحرمات والممنوعات. تتطلب الديمقراطية في مسيرتها الصعبة والطويلة الأمد محاولة تحقيق التوافق بين المجموعات المختلفة والمصالح المتنافرة من اجل الصالح العام. يقول روبرت دال ؛"إن أعضاء المجتمع السياسي يسعون وراء أهداف متباينة، يتم التعامل معها- بين أمور أخرى- من قبل الحكومة. إن الاختلاف والاتفاق هما جانبان مهمان من جوانب الأنظمة السياسية، الناس الذين يعيشون معا لن يستطيعوا أبدا الاتفاق على كل شيء. ولكن إذا أرادوا الاستمرار في الحياة معا, فهم لن يستطيعوا إلا أن يتفقوا على أهدافهم وهذا يعني الحاجة إلى ظهور كتلة أغلبية أو كتلة تاريخية- قادرة على بناء برنامج وطني يحقق موافقة أكثرية الناس".

 كما تتطلب المسيرة الديمقراطية الصحية وجود أحزاب سياسية صحية، أي أحزاب ديمقراطية تقوم على القيم والمبادئ الوطنية وتكون متفقة قولا وعملا على تحريم العنف والاحتكار السياسي سواء في إطار الحزب أو السلطة، أي القبول بالانتقال السلمي للسلطة في ظل توفير آلية انتخابات حرة. وتلتزم فعلا بحقوق الإنسان السياسية والاجتماعية، إضافة إلى القبول بالتعددية. وهنا من المفيد ملاحظة أمرين: اولهما إن التعددية لا تعني تركيز الانقسامات الاثنية- المذهبية- الطائفية- القبلية، اللغوية، كما إن الإقرار بالحقوق الوطنية- الثقافية لكافة التنوعات اللغوية في البلاد، لا يعني القبول بانفصال وانفصام هذه المجموعات عن بعضها، لأن هذه الحالة تقود إلى اضمحلال مفهوم الدولة الوطنية، والوقوع في براثن التعصب والتجزئة، المطلوب أن تقود هذه الحرية إلى مزيد من التعارف و الحوار على طريق بناء التثاقف الاجتماعي السياسي.

 إن واحدة من آليات فتح الحوار البناء هي نبذ الوحدانية في التعامل، على سبيل المثال إلغاء وحدانية دراسة الدين في المدارس لصالح توفير فرصة دراسة كافة الأديان الرئيسة. فالحالة الأولى تقود إلى مزيد من تعظيم الوحدانية والتعصب الديني، بينما الحالة الثانية تخفف التعصب والحقد والكراهية باتجاه تنمية الوعي بالتكيف والتوافق. وهذا الأمر صحيح أيضا عند التعامل مع ثقافة التنوعات اللغوية- المذهبية- الطائفية المختلفة. الأمر الثاني إن الحرية تتطلب تأكيد حرية الاختيار، حرية صنع القرار. الديمقراطية باعتبارها عملية حضارية تاريخية وتشكل مهمة أهل البلد أنفسهم، تتطلب تفكيرا واقعيا في سياق دراسة منهجية لواقع المجتمع وقدراته ورغباته، من اجل اختيار البرامج الأكثر ملائمة وإمكانية على التطبيق باتجاه بدء المسيرة الديمقراطية وبناء متطلبات هذه المسيرة. وتتطلب هذه المهمة تحديد المضامين الفكرية الآتية:

1- النموذج الملائم للتحول الديمقراطي.

2- إستراتيجية التنمية.

3- نظم القيم الاجتماعية.

4- مفهوم الانسجام الاجتماعي.

5- العملية الإنتاجية، قوى وعلاقات الإنتاج.

6- القضايا الدولية: الموقف من الانفتاح، العولمة وكيفية مواجهة آثارها، والانفتاح على السوق الحر و مخاطرها على عملية التنمية، مما يتطلب بناء أسس إدارية تعمل لصالح المسيرة الداخلية.

 

متطلبات عملية التحول الديمقراطي

 تتطلب عملية التحول الديمقراطي ما يأتي:

1- بيئة اجتماعية حضارية؛ ترفض همجية العنف لصالح التعامل السلمي،تتحاشى السرية/الغيبية بممارسة العلنية،ترفض الوحدانية بالقبول بالتعددية،تتجاوز المطلق والثوابت باتجاه القناعة النسبية بالأفكار والممارسات الدنيوية.

2- بناء المؤسسات الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية في سياق عملية التغيير الجذري للبنية المؤسسية المجتمعية التقليدية وإحداث ثورة ثقافية، حيث تقود هذه التطورات الجذرية إلى قيام حكومة فعالة ومواطنة فعالة.

3- إن أهمية البناء المؤسسي تعني توفير الأرضية لترسيخ وممارسة مفاهيم الديمقراطية، أما الثورة الثقافية فتتطلب إعادة قراءة المواريث التاريخية وبما يتفق مع عملية البناء والتحديث وإعادة تأسيس البيئة الاجتماعية من منظورها الحضاري الحديث.

4- لغياب الديمقراطية في مجتمعنا العراقي والعربي أسباب تاريخية سياسية وثقافية ودينية تتعلق بالتراث، وأسباب مؤسسية اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالواقع الحالي والتوجهات المستقبلية. مما يدعو إلى دراسة وتحليل هذه القضية وفق بعدين متكاملين:

 أ- البعد التاريخي، التراث والثقافة، بما في ذلك من قيم وتقاليد ومعتقدات.

ب- البعد ألتزامني، الواقع- المستقبل بمفاهيمه وبنيته المؤسسية.

 يمتد الحاضر العراقي لبيئة حضارية تعود إلى خمسة آلاف عام عندما ظهرت أول حضارة بشرية متكاملة (3000 ق.م). ففي هذه الحضارة ظهر أول نظام حكم للمجتمع السياسي المنظم في إطار حاضنة دينية،تقوم على أساس نظرية الحكم الإلهي المقدس للملك وهي تسبق نظرية توماس هو بز- الفيلسوف الإنكليزي- بأكثر من 4500 عام. حيث جمع الملك في شخصه، باعتباره نائب الإله في حكم مدينته- دولته، السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية. وقام نظام الحكم على أساس أبوي- بطريركي في سياق من العلاقة بين الراعي والرعية. وبذلك خلقت هذه الحضارة نظاما اجتماعيا أبويا، يقوم على السلطة المطلقة للأب تجاه أفراد عائلته،ومثلها سلطة الملك المطلقة تجاه أفراد مملكته.

 استمد النظام الاجتماعي لحضارة ميسوبوتاميا ( بلاد ما بين النهرين/ وادي الرافدين ) قيمه وتقاليده وعاداته من نواميس هذه الحضارة الدينية التي اعتقد القوم إن الآلهة في السماء منحتها للبشرية لتنظيم مجتمعاتهم من عبادة وصلاة واعتقاد بالأرواح الخيرة ( (الملائكة) الحامية، والشريرة (التي تهاجم الإنسان الخارج عن طاعة الإله وتسبب له الأمراض والكوارث والويلات. ولما كان الإله قد خلق الإنسان لتنفيذ أوامره ورغباته، من هنا وجبت عليه الطاعة والعبودية للإله واسترحام العفو والمغفرة صباح مساء خشية مواجهة غضبه وانتقامه. وبذلك خضع إنسان هذه الحضارة في فكره وممارساته إلى ثلاث قوى : الإله، الملك، الشياطين.

5- في مقابل السلطة المطلقة للرجل عوملت المرأة بقسوة من حيث تصرفاتها والعقوبات التي فُرضت عليها. يكفي معرفة إن عادة (رجم المرأة) ظهرت إلى التطبيق منذ إصلاحات الملك السومري اوروكاجينا ( لكش- تلو- جنوب قلعة سكر،2400 ق.م)، وهي قائمة حتى اليوم في الفكر الإسلامي ومطبقة في بعض الدول الإسلامية. وهناك أفكار وعادات وقيم اجتماعية ليست قليلة لا زالت محل التزام وتطبيق بهذا الشكل أو بآخر بين العراقيين تعود إلى هذه الحضارة العريقة في القدم. هذه القيم الحضارية الممتدة إلى عمق التاريخ، والتي تعيش معنا حتى الآن دون الكثير من التغيير والتطوير والتكييف، تتطلب قراء جديدة موضوعية باتجاه نقد الذات وبما يساهم في تأسيس بنية ثقافية جديدة لخدمة مقومات التحول الديمقراطي.

6- يحتوى تراثنا في العراق (والوطن العربي) مبادئ وقيم ديمقراطية ليست قليلة مثل الحق والصدق والمحبة والتعاون، بل إن مبدأ العدل بدأ تطبيقه منذ إصلاحات اوروكاجينا وأصبح شعارا لكافة ملوك حضارة وادي الرافدين الذين جاءوا بعده. وأكد التاريخ الإسلامي هذه القيم وأضاف إليها مبدأ الشورى والاختيار (اختيار الحاكم) بموجب الشريعة. لكن المشكلة في هذه المفاهيم إنها عانت من الفجوة بين القول والتطبيق. كما إن الثغرة الواسعة تجسدت في غياب بنية مؤسسية تعبر وتؤكد وتطور هذه المفاهيم بطريقة مقننة. وفي غياب البنية المؤسسية وتجميع السلطات الثلاث بيد الحاكم (الملك/ الخليفة) خضع تفسير مفاهيم الديمقراطية هذه إلى النفاق والتزييف وبما يؤكد شرعية السلطة وممارساتها حتى ولو كانت منحرفة، ساعد في ذلك و لفترة طويلة جداً اصطفاف عدد كبير من رجال الدين إلى جانب السلطان لإكساب حكمه الشرعية المطلوبة باعتباره ولي أمر المسلمين الواجب طاعته،ومن هنا جاء التعامل مع هذه المفاهيم يحمل صفة الازدواجية لصالح الأقوى.

7- إن إطلاق الثورة الثقافية باتجاه التحويل الجذري للقيم والعادات التقليدية السائدة، بما فيها من القهر والعنف والسرية / الغيبية والمطلق والوحدانية وغياب أو ضعف دور المرأة، نحو بناء ثقافة حضارية حديثة. يتطلب كذلك بناء مجتمع مدني بمفهومه المعاصر وفق الأسس الوطنية البعيدة عن كافة أشكال التمييز الوراثية من دينية وطائفية ومذهبية ولغوية، يتمتع بالاستقلال الداخلي عن السلطة، ليشكل بدوره قاعدة مركزية للتحول الديمقراطي من خلال دوره في بناء إرادة المواطنة الفعالة: إرادة المشاركة. ذلك إن الديمقراطية بدون مجتمع مدني يعني علاقة يتيمة بين السلطة وبين الناس (من الأعلى إلى الأسفل) بينما في وجود المجتمع المدني يكتمل الطرف الآخر من هذه العلاقة، من الأسفل إلى الأعلى. المجتمع المدني باختصار هو القاعدة التي تساهم بفعالية في إعادة بناء الأعمدة الأربعة الأساسية للبيئة الاجتماعي:

أ‌- التعامل السلمي.

ب‌-العلنية.

ت‌-التعددية.

ث‌-النسبية.

 من هنا كانت منظمات المجتمع المدني تقوم على العضوية الأفقية، أي على الأسس الوطنية بعيدا عن المواصفات الوراثية أو المكتسبة بالعادة أو بالتقليد، وبناء الولاء للوطن قبل الولاء للجماعة.

 

الاستقلال و البناء الديمقراطي

 يرد سؤال قد يكون جوهريا: كيف لنا الحديث عن الديمقراطية في ظل تبعيةالبناء الاقتصادي والقرار الوطني؟ هذا التساؤل يدفع العمل في سبيل الديمقراطية نحو العمل بالممكن، أي من مشاركة الحرية إلى مشاركة التحرر من التبعية، دون نفي لقضية الحرية، ذلك لأِن مجتمعنا يقع على مسافة بعيدة من ديمقراطية الحرية. أن مرحلة تطوير الواقع الحالي، التي نعيشها تحتاج مواجهة التخلف والتبعية والحاجة إلى تأكيد ديمقراطية التحرر (السياسي والاقتصادي والاجتماعي)، وديمقراطية التحرر هذه تقوم على نفس مفاهيم وقيم ديمقراطية الحرية، لكنها تضع في اعتبارها واقعية المسافة الزمنية الطويلة التي تتطلبها، لتوجيه عملية التحرر وفق آلية حضارية، خاصة ما يتعلق بنبذ العنف، ليس بين الأطراف الوطنية، حسب، بل حتى في تعاملها مع عناصر السلطة المحلية والقوى الأجنبية التي تمارس مركز الثقل في التأثير على السلطة المحلية. ولأِن العنف يولد العنف، بل ويحول القضية المجتمعية الوظيفية إلى قضية شخصية لذا تتلاقى ديمقراطية التحرر مع ديمقراطية الحرية في بناء إرادة الإنسان، أي ديمقراطية بناء إرادة المشاركة الوطنية.

 

 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع و النشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@brob.org