مقالات

فلسفة نهر النيل


جهاد علاونة

نهر النيل، طالما كان هذا النهرُ مبعث إلهامٍ للشعراء وللفلاسفة، وللفنانين، وللملحنين وللمغنيين، حتى قيل عنه أنه واهب الحياة، وقال عنه المؤرخ اليوناني (هيرودوتس):

(مصر هبة النيل).

وجلس أمامه الفلاسفة وبحثوا في مشاريع ضخمة، ومنهم من قال أن قلة الإمكانيات حالت بينه وبين تسخير النيل لخدمة البشرية، ومنهم من إعترف بعجزه أمام هذا المخلوق المائي الطويل.

ولكن من يدري أن النيل هو الذي ساهم بصبغ العقلية المصرية بطابع الهدوء والتريث والإصغاء لحكمة الأرض والسماء ؟.

ونهر النيل هذا كان هو أولُ عالمِ رياضياتٍ يدخلُ على الطالب المصري في بيته ومنزله وأرضه ليعلمه أن فيضانه يفيض بإستمرار وبأوقاتٍ معلومة كل سنة، وحين ترقب المصريون لفيضانه نظروا للشمس وهي تشرقُ وتغربُ فحسبوا عدد طلوع الشمس وغيابها من وقت فيضان نهر النيل حتى يأتي الفيضانُ مرةً أخرى، وبهذا أوجد المصريون نظام العد الشمسي، ونظام الشهور والحسابات الدقيقة المتعلقة بنظام العد الشمسي.

ووضع النيل القوانين الرياضية، أو قل أنه بسببه وُضِعتْ القوانين الرياضية المنطقية .

لقد كان فيضان نهر النيل المُنظم يزيل معالم الحدود بين التجمعات السكنية، بسبب جرفه للأتربة والطمي والغرين التي تعتلي كل سنة مشكلة طبقة تربية جديدة، لذلك إحتفظ المصريون القدامى بأحبال من الكتان،وكلُ إنسانٍ على قدر نمرته أو أرضه، فكانوا إذا فاض النيل أتى كلَ واحدٍ منهم بحباله ووضعها على الأرض ليثبت حصته وحقه في ملكية الأرض، وكانت هذه الحبال بمثابة أربعة أضلعٍ متساوية في الطول، ومن ثم إختصروا تلك الحبال الأربعة وجعلوها ثلاثة بشكل مُثلثٍ قائم الزاوية، وحين جاء فيتاغورس هذا العالم الفيلسوف، إستنتج قانون حساب الوتروهو المعروف بإسم : الوتر المنشأ على ضلعي الزاوية يساوي مجموع المربع القائم على الضلع الأول والضلع الثاني، ولستُ أدري كيف يصيغونها علمياً بشكلٍ دقيق ولكنها معروفة بإسم قانون فيتاغورس: وهو هكذا :

إذا كان طول الضلع الأول 5أمتار والضلع الثاني 3أمتار فإننا نقول 4*4=16, وأيضاً 3*3=9, ومن ثم نجمع حاصل الضربين معاً فنجده أنه يساوي=25, و25هي حاصل ضرب 3*3=25,وبهذا يكون طول الوتر 5أمتار .

هذه الفلسفة المصرية الرياضية عملت منذ زمنٍ على فتح علمي كبير وبغض النظر عن توابع هذا القانون، غير أنه لم يوجد مثيلٌ له في أي حضارة عربية أو شرقيةٍ, والسبب في ذلك أن الإستقرار الأمني والسياسي والجغرافي في مصر قد ساعد العقول المصرية النيرة على الإختراع والإكتشاف وبناء الأهرامات، ومن الظاهر أن بناء الأهرامات ما كانت لتبنى في خضم نظام سياسي وإجتماعي قلق .

وسبر النيل ُأغوار العلوم والفنون بكافة أشكالها، ولولى وجود النظام الإجتماعي المستقر لما كان في مصر أيضاً نظاماً سياسياً عسكرياً مستقراً، كل ذلك أصلاً بسبب هدوء النيل، لأن النيل لو كان أصلاً مزعجاً لهاجر منه المصريون ولما سكنوا أطرافه، ولقرأنا عن آلاف الثورات السياسية والإجتماعية والتي سنتحدثُ عنها لاحقاً..إلخ

والنيل العظيم هو الذي أوجد نظاماً مصرياً إجتماعياً مستقراً، بسبب فيضانه الهادىء....والناعم ..بتوقيت دقيق وبشهرٍ معروف من شهور السنة، وبذلك إتخذ الإنسان المصري إحتياطاته، وزرع على حوافي النهر أراضيه وأطيانه، في الطين الذي يجرفه معه نهر النيل من أقاسي أفريقيا، وبذلك وبسبب هدوء النظام الطبيعي والمُناخي في مصر ظهر في مصر نظاماً إقتصادياً مستقراً ومن ثم نظاماً سياسياً مستقراً أيضاً، ولهذه الأسباب كانت الحضارة المصرية أقل الحضارات في العالم القديم حباً للثورات والإنقلابات العسكرية والسياسية، بسبب إستقرار الإنسان المصري وحياته الهادئة على ضفاف هذا النهر الطويل، طبعاً ما عدى ثورة الكاهن (آموس) على الفرعون، وهو ما عرف بالمصادر التاريخية التوراتية بإسم (موسى اللاوي-أو-المصري).

طبعاً هذا النظام الجغرافي المصري هو الذي صقل العقلية المصرية وجعلها هادئة وما زال حب الهدوء والإستقرار معششٌ في شخصية الإنسان المصري،حيثُ من الظاهر أن الإنسان المصري قد جعل الهدوء والإستقرار جيناً ثقافياً.

لذلك صدقت المقولة القائلةُ : أن الكُتبْ تغيرُ العقائد,..... والمُناخ يغير الطبائع,..... والثراءُ يغيرُ العادات والتقاليد.

وفعلاً كان بقاء مُناخ نهر النيل على طبيعته قد ساعد على ثبات الفلاح المصري وعدم هجرته، فلم يكن المواطن المصري محباً للهجرة من النيل، أو ترك نيله ومزروعاته، لذلك قال المصريون :(إللي يشرب من نيلك يرجعلك تاني).

لقد أحب المصريون نيلهم بقدر ما أحبهم هو، وقد أعطوه إهتمامهم بقدر ما حافظ هو على إستقرارهم الإجتماعي والسياسي، ولم يهجروه أبداً لأنه ما فاض يوماً ليكون سبباً في خراب النظام الإقتصادي المصري القديم، لذلك تعلق به المصريون, وعانقهم وعانقوه هُم كما يعانقون محبوباتهم ومعشوقاتهم، ونسجوا حوله الحكايات الهادئة والمثيرة أحياناً ورموا لإله النيل (عروساً) مصرية جميلة كل عام، لأنه كان أحياناً يفيض بغضبٍ ودون إهتمام ٍ فيتضرر الفلاح المصري، ولكن ذلك كان يحدثُ نادراً جداً، المهم أنه ساهم في إستقرار المصريين وصبغ عقليتهم بحب الهدوء، وغنوا له ولحنوا له وكتبوا به القصائد والحكايات المثيرة .

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع و النشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@brob.org