مقالات

آثارظاهرة الاحتباس الحراري على  الصحة العامة في البلدان الحارة

 

علي بداي/ مهندس باحث في

حقل الانشاءات البيئية –هولندا

لآلاف من السنين قبل ان يوجد الانسان على سطحها، بل وبعد وجوده بزمن، كانت الارض تعيش حالة من التوازن الطبيعي وتصنع" ثرواتها" ببطئ ،حيث تتخمر الغابات والاحياء الضخمة تحت الارض وتثور البراكين لتقلب التربة ثم تنطفئ  وتتفاعل العناصر مع بعضها في اتساق وهارمونية .

 لقد توفرت على الارض ظروف توازن طبيعي خاصة مهدت لنشوء الحياة، فلولا وجود طبقة الاتموسفيروالماء وغازات الاحتباس الحراري، لكانت الحياة على الارض مستحيلة، ولكن هذه الشروط التي اوجدت الحياة والاحياء و جعلت الانسان سيدا على هذه الارض، مهددة الان من قبل الانسان نفسه بالاختلال. فبتطور احتياجات الانسان التي لاتعرف الحدود ، برز الدور التطفلي الاستنزافي لهذا الكائن، واضحى اكثر وضوحا بمرور الزمن فأشرت الثورة الصناعية لبداية الاعتداء الوحشي على الطبيعة والتنكر لها،  حين بدأت مرحلة تخريب الارض عبر نشاطين هما السعي المكثف لاستثمار ماصنعت الارض عبر ملايين السنين من معادن وخامات من جهة ، ومن جهة ثانية استثمار معرفة الظواهر الطبيعية لغرض دعم الثورة الصناعية عبر تسخير الفعاليات الكيمياوية والذرية والاكتشافات في عالم الفيزياء لزيادة رفاهية الانسان وصنع مجتمع الطاقة الذي شكلت الكهرباء غذاءه اليومي والسيارة بقرته المقدسة.

ولقد ازدادت في السنوات الاخيرة الدلائل على الارتفاع الملحوظ في درجة حرارة الارض،وتتالت بيانات الاقمار الصناعية ومحطات مراقبة الاحوال الجوية مؤكدة كون حرارة الارض قد بلغت عام 2003 درجة قياسية وان اكثر السنوات العشر حرارة قد تركزت في عقد التسعينات.

وتؤكد المصادر العلمية ان حرارة الارض ارتفعت 0.6  درجة مئوية خلال المئة سنة الاخيرة وارتفعت بعد عام 1976 في اماكن كثيرة 1.8 درجة مئوية.  كذلك كان عام 2003 حارا بشكل ملحوظ في امريكا الجنوبية واستراليا وكندا وافريقيا، وكان ذلك الصيف في فرنسا الاكثر حرارة على الاطلاق، حيث لقي في ذلك العام 14000 شخص حتفهم بسبب الحر. وبلغت الحرارة في جنوب شرق اسيا خلال شهري مايس وحزيران في عام 2003  حدا لم يسجل سابقا، وفي شتاء ذات العام انخفضت درجة الحرارة في روسيا الى 45 تحت الصفر كما اثلجت في موسكو في حزيران من نفس العام، في حين مات الالاف شتاء ذلك العام في الهند وباكستان من شدة البرد، كما انخفضت الحرارة خلال شهر حزيران في جبال الانديز الى ما تحت ال20 تحت الصفر. ولم يقتصر هذا التطرف في الاحوال الجوية على عام 2003 بل ان العام الذي تلاه شهد ايضا الرياح التي جاوزت سرعتها 200 كيلومتر في الساعة في استراليا،  وسقط في ذلك العام هناك من الامطار مايزيد على 400 مللمتر اي اربع اضعاف المقدارالسنوي  المعتاد.

 وخلال فترة الربع قرن الاخير، تعززت الادلة على مسؤولية الانسان عن التغيير الحاصل في مناخ الارض . وكانت هذه الادلة قد بدأت منذ وقت طويل بشكل شكوك سجلت في اواخر القرن التاسع عشر. ففي 1896 نشر العالم السويدي "ارهينوس " مقالة اشار فيها الى احتمال ان تنتج الفعاليات البشرية المكثفة أختلالا في المناخ كنتيجة مباشرة لازدياد اطلاق الغازات الحابسة للحرارة في الجو، حيث يطلق حرق المواد كالنفط والغاز والفحم يوميا للحصول على الطاقة، الاف الاطنان من غازات الميثانCH 4 وثاني اوكسيد الكربونCO2 والغاز N2O وغيرها.  كل هذه الغازات كانت موجودة في فضاء الارض قبل الثورة الصناعية بالطبع، تؤدي دورها كجزء مهم من مكونات الغلاف الجوي الذي يحمي الارض ويجعلها صالحة للحياة.

 وهذه الغازات ( التي نلقي عليها اللوم الان ونحملها مسوؤلية تغيير المناخ)، تقوم بوظيفة على درجة كبيرة من  الاهمية  فهي تحبس جزءا مما تمنحه الشمس من طاقة لكوكب الارض بدلا من ان تتركه يتبدد في الفضاء الخارجي، وبفضل هذه الغازات تحتفظ الارض بمعدل حرارتها المعروف ( حوالى 15 درجة مئوية)  بدلا من ان تكون 18 درجة تحت الصفر.المشكلة ان الانسان قد زاد من نسبة هذه الغازات بدرجة هائلة بحيث انها" تحبس" الان اكثر مما صممتها الطبيعة لحبسه من حرارة، مما يسبب ارتفاع في درجة حرارة الارض وتغيير المناخ الارضي مع كل ماينتج عنه من كوارث.

 

ويجدر القول ان الاقرار والجزم بان التغيرات التي يشهدها المناخ هي نتاج لفعالية الانسان ، تطلب وقتا طويلا وبحوثا علمية متعددة الاوجه بسبب كون المناخ ظاهرة معقدة ومركبة من عناصر متعددة، بحيث يصعب الجزم بان الامطار الغزيرة في منطقة ما، أو ان الشتاء الدافئ في أوربا لموسم او موسمين هو نتاج لخلل في نظام المناخ بتأثير من الفعاليات البشرية.

من ناحية اخرى  لم تكن الطرق دوما سالكة امام المدافعين عن فكرة تسبب الفعاليات البشرية باضطراب المناخ من علماء ومدافعين عن سلامة البيئة، وذلك بسبب تعقد وتشابك العلاقات بين البيئة والتنمية الاقتصادية مما يولد غالبا معارضة الشركات الصناعية والحكومات المسؤولة عن التلوث والتي تشكل برامجها ركائز الاقتصاد الوطني. وحتى بعد ان اتضحت الامور نلاحظ دولا كبيرة مثل اميركا والصين والهند وكندا تعارض باصرار الالتزام بسقف اتفاقية كيوتو الهادفة اجمالا الى الحد من اتلاف المنظومة البيئية الطبيعية. ورغم تعاظم التهديدات الناجمة عن التغيير الدراماتيكي في المناخ على مستقبل البشرية والاحياء كافة ، يبدو ان رسم سياسة شاملة للحد من التلوث البيئي سوف لن يدخل في اولويات الحكومات،مالم تتوفر قاعدة اجتماعية عريضة تدخل موضوعات البيئة الى غرف صناعة القرارات السياسية. هذه القاعدة الاجتماعية العريضة لن  تبنى من ذاتها ، بل تتشكل من المبادرات المقادة من قبل العناصر المؤثرة في المجتمع وبمشاركة من وسائل الاعلام ، لكن قبل كل هذا يتوجب ان تدخل البيئة في المنهاج الدراسي للطلبة كي تتربى اجيال على وعي البيئة ومشاكلها.

الاتفاقات الدولية الخاصة بالبيئة

 لقد حدد المعنيون بالبيئة المجتمعون عام 1992، عام 2000 كعام للتحول عن مصادر الطاقة التي تسبب التلوث البيئي باخرى نظيفة،، لكن تعقد المشكلة وارتباطها بالتطور الاقتصادي وتصادمها مع مصالح الدول الصناعية الكبرى وشركاتها جعل هذا الهدف يتراجع الى امنية مستحيلة التحقيق تقريبا. 

 فبعد مباحثات طويلة بين الدول الصناعية( صانعة التلوث) تم التوصل في عام 1997 الى اتفاق كيوتو  خلال مؤتمر الامم المتحدة حول المناخ . في هذا المؤتمر الزمت هذه الدول انفسها باتخاذ اجراءات لخفض مستوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري في عام 2010 بنسبة 5%  من مقدار كميتها في عام 1990. ويعتبر هذا الاتفاق ساري المفعول في 55 بلد وهي البلدان المسوؤلة عن انتاج اكثر من نصف النسبة من غاز ثاني اوكسيد الكربون لكن  كبريات الدول المنتجة للغازات المسببة للاحتباس الحراري وهي الهند وامريكا والصبن لم توقع على الاتفاق.

ولان اتفاق كيوتوسيصبح منتهيا مع حلول عام 2012، سيجتمع المعنيون من 6-18 كانون الاول المقبل في كوبنهاكن لغرض متابعة الموقف وتحديد اتجاهات السيلسة المناخية العالمية المقبلة.

وفيما يخص طبقة الاوزون و بعد سلسلة من الابحاث العلمية ، اتفقت العديد من الدول الصناعية على اتخاذ اجراءات على نطاق عالمي(اتفاقات مونتريال بخصوص طبقة الاوزون عام 1987) للحد من تأكل الطبقة  عبر اجراءات للحد من اطلاق الغازات الفاتكة بالاوزون و،انهاء انتاجها واستخدامها في الصناعة   ثم ادخلت تطويرات على المقررات خلال مؤتمرات لندن عام 1990، كوبنهاكن 1992 ومونتريال مرة اخرى في 1997 وقد ازداد عدد الدول المشاركة في تنفيذ مقررات هذه المؤتمرات الى 180 دولة بحلول عام2006 .

تغيرات المناخ والصحة العامة

بغض النظر عن سبب التغيرات في مناخ الارض، أضحت  الاثار التي خلفتها وتخلفها هذا التغييرات من فيضانات في غير اوانها او فترات الجفاف الطويلة معروفة على نطاق واسع  ، لكن ما لا يتطرق له الكثير من الناس المهتمين بالبيئة والعلماء ايضا هو الاثر الذي يتركة التغيير المحتمل المتطرف في المناخ على صحة الانسان. فلقد كان المناخ على مر العصور عاملا مهما في انتشار الكثير من الامراض، من الموت الاسود في القرن الرابع عشر في اوربا الى الاحتمالات القائمة لانتشار الاوبئة في البلدان ذات البنى الاقتصادية والتكنولوجية الضعيفة،  حيث تنتقل الكثير من الامراض من فرد لاخر باللمس او  الهواء او الاغذية والماء ،وكل هذه الوسائط معرضة للاختلال المتطرف نتيجة لتغيرات المناخ.

 

الامراض ودرجة الحرارة

ان الملاحظ ان هناك علاقة بين الكثير من الامراض ودرجة الحرارة فمثلا تختص بعض المناطق الحارة باوبئة معينة، وهناك اوبئة مثل الكوليرا مثلا ملازمة لبلدان حارة، وهناك اوبئة وامراض لها علاقة بتاثير اشعة الشمس أو فيضانات المحيطات . وعموما يساعد المناخ الحار والرطب في تكاثر سريع لعدد كبير من الحشرات الناقلة للامراض بشكل غير مباشر.

 

البلهارزيا وبقية الطفيليات

تؤدي التغيرات المناخية الحالية والمتوقعة الى زيادة درجة حرارة الارض  وكذلك الى تغيير في كم وتوزيع الامطار مما يؤدي الى حدوث فيضانات غير متوقعة وكلما كانت المياه اكثر دفئا كلما ارتفعت فرص الكثير من العضويات المسببة للامراض للبقاء حية ولفترات طويلة  . نتيجة لكون الكثير من العضويات المسببة والناقلة للامراض تستطيع العيش في الماء لفترة شهور، سوف تسبب الفيضانات في الدول ذات البنى الضعيفة والمفتقرة الى شبكات صرف صحي حديثة انتشار هذه الامراض بشكل وبائي.

نتيجة للتوسع في مشاريع الري في البلدان الحارة، ازداد احتمال انتشار مرض البلهارزيا حيث تلعب الحرارة دورا بارزا في تطور طفيلي البلهارزيا. يسبب مرض البلهارزيا طفيلي تدخل بويضته من الشخص المريض الى الماء عن طريق التبول وهناك تصيب هذه الطفيليات الاحياء المائية الاخرى بالعدوى وتبقى فترة في حضانتها. وحين يحين وقت تركها للحاضنات بعد بلوغها مرحلة معينة تدخل جسم الشخص الملامس للماء الملوث حيث تكتمل الدورة ويستمر الطفيلي بالنمو داخل جسم الانسان

كما يؤدي ارتفاع درجات الحرارة الى ازدياد فرص ملامسة الناس للماء نتيجة اضطرارهم للسباحة اتقاء الحر اي ازدياد فرص انتشار الطفيلي كما ان ازدياد الحرارة بضع درجات وميل الشتاء لان يكون اكثر دقئا يؤدي الى ان تتمتع الطفيليات بفرص الانتشار لفترات اطول في السنة .

الموت نتيجة توتر الحر

اذا استمرت حرارة المحيط بالارتفاع لايام متتالية بمعدل اعلى من درجة حرارة الجسم ، ستتكاثر حالات الموت نتيجة توتر الحر ، كما يسبب تصاعد الحرارة نوبات التوتر النفسي .وتشكل ضربة الشمس التي تؤدي الى تجاوز حرارة الجسم ال41 مئوي واحدة من الاصابات الخطيرة في البلدان الحارة.

 

 ارتفاع الضغط الجوي

 مما يترتب على  التفاوت الحراري بين مركز المدينة والاطراف ، ظهور ظاهره الجزر الحرارية الحضرية والتي تؤثر مباشره سلبا على صحة الموطن والنواتج المترتبة عليها وابسطها الارتفاع المفاجئ لكتل هوائية هائلة الى ارتفاعات كبيره مما يخفض تواجد عنصر الاوكسجين في المناطق السكنية ويرفع الضغط الجوي والذي يترتب عنه الرعاف وقت الظهيره.

 

الاشعة فوق البنفسجية للشمس وسرطان الجلد

ادى اطلاق الغازات الناتجة عن حرق مواد الطاقة الناضبة  في الفضاء الى حدوث فجوة في طبقة الاوزون تنفذ منها الاشعة فوق البنفسجية للشمس مسببة سرطان الجلد وتتسع هذه الفجوة منذ عام 1980 فوق القطب الجنوبي سنويا بحلول شهر ايلول لتستمر في البقاء عدة أشهر. أما الخبراء الاوربيون فقد رصدوا فوق اوربا خلال السنوات التي تلت 1980 نحافة قليلة بطبقة الاوزون ولكن متسعة باستمرار

 

امراض الفقر الغذائي

 ونتيجة لتغيير المناخ وقلة المحصول  وجفاف الانهار تتاثر حياة ملايين الناس  وتقل كمية الاغذية التي يحصل عليها الفرد الواحد .

 

امراض الجهاز التنفسي

ان حرق مواد الطاقة الناضبة كالفحم والنفط يطلق في الجو انواعا مختلفة من الدقائق الصغيرة  في الجو والتي تلوث الهواء مسببة المشاكل الصحية لكثير من الناس.

ويسبب تلوث الهواء تصاعدا في حدة المعاناة من امراض الجهاز التنفسي وحالات الربو  والحساسية خاصة في البلدان التي تفتقر الى الوسائل الطبية الحديثة وغير المتقدمة تكنولوجيا وعلميا.

و يعاني ملايين البشر من الحساسية الربيعية التي تسببها الدقائق الطائرة في الهواء، وتؤدي الى حرقة العيون والبلعوم وضيق التنفس . وتعتبر بعض الحالات الجوية التي تساعد في انتشار هذه الدقائق  سببا اساسا للتغييرفي المناخ جراء الفعاليات البشرية. وبذات الوقت فان البرد وخاصة البرد المفاجئ عامل مؤثر في الكثير من امراض الجهاز التنفسي.

 ان واحدة من تجليات تغيير المناخ العالمي  في العراق هي العواصف الرملية المتتالية  وموجات الغبار الكثيف التي سببها جفاف التربة الناتج عن قلة الامطار، وبالارتباط مع التزايد السكاني غير المدروس وغير المستند الى الحاجات التنموية، وفوضى الاقتصاد وتخلف البنى التحتية  سيقف العراقيون امام تحديين طبيعي وديموغرافي يتطلبان عملا واعيا وجبارا لاعادة النشاط لدورة الحياة في وادي الرافدين مهد الحضارات .

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@brob.org