لقاءات

 

الحياة اخذت منها الكثير، لكن الرسم اعطاها اكثر

 

الفنانة التشكيلية غادة عبدالرزاق حبيب: اني امراة مهزومة حتى برائحة البهارات

حاورها: عبدالرزاق الربيعي

 

امراة معجونة من صمت لكنها الاكثر ضجيجا في مجموعتنا عندما كنا نلتقي اواسط الثمانينات لنشاهد فيلما سينمائيا او عرضا مسرحيا معرضا او نتحاور حول كتاب جديد، وكنا نذهب للقائها حاملين معنا اوراقا واقلاما وفجاة يسود الصمت فالحوار يتحول الى كلمات تحفر على الورق، وهي الوسيلة الوحيدة لمد جسور التواصل مع الفنانة غادة عبدالرزاق حبيب التي فقدت حاستي السمع والنطق منذ طفولتها لكنها لم تستسلم لقدرها فقررت ان تسمع وتتكلم، وبروحها الحيوية كانت تستقطبنا، وكنا سعداء بضجيج الوانها وصخب كلماتها، ورغم حزنها العميق كانت تطلق الطرائف والتعليقات التي نضحك لها عندما نقراها وتضحك لضحكنا، وهكذا استمرت لقاءاتنا حتى قررت السفر الى لندن للعلاج بروح واثقة, واعدة ايانا بلقاء قريب نسمعها فيه وتسمع اصواتنا، وطال انتظارنا لعودتها، وذات يوم دخلت مكتبي بجريدة الجمهورية فقال لي زميل: غادة عبدالرزاق اتصلت بك من لندن؟ فسالته: وهل تكلمت معك؟ اجاب: لا، ولكن الذي تكلم معي الشاعر سلام سرحان، وتكرر الامر بعد يومين، وغادرت بغداد وانقطعت اخبار غادة عنا، وذات يوم اخبرني صديقنا المشترك العزيز اياد الزاملي انه على تواصل معها، عبر الفاكس وهنا طرات فكرة هذا الحوار حيث كتبت اسئلته الى الزاملي الذي نقلها الى غادة وعاد لي على جناح روحه الطيبة اجاباتها فكان هذا الحوار:

* غادة هل الفت الصمت؟

لا.. صمت 14 عاما لأرقب. كنت ارى.. ارى.. ارى، لكن لاانطق حرفا واحدا. بعضهم ظن اني اصبت بالخرس ايضا.. لكن صمتي كان احتجاجا كأني اقول للحياة: امعني غباءً، وسخافة.. فأنا ارقبك جيدا.. ارقصي.. واهتزي.. وابصقي على نفسك.. سأرسم يوما كل مارأيته..

 * والعلاج اين وصل؟

منذ 14 عاما وانا بين خيرة اطباء لندن.. لم يقدموا شيئا لي. لقد زرعوا اجهزة برأسي لتساعدني على السمع.. بصراحة لم احب الأصوات، ولم اتوقعها هكذا.. وطول الصيف كنت اراجع جراحي في مستشفى سانت ماري لأقنع برفع أي اجهزة تساعدني على السمع.. يعني اريد الرجوع صماء، وهذا يثير جنون طبيبي، الذي يصرخ: الآخرين يدفعون نقودهم ليسمعوا، وانت تدفعي لتفقدي سمعك ثانية؟؟!!.

انا في كل قراراتي لم اكن اعتيادية، والآن اريد استرجاع عالمي الأول: الصمت، والألوان، والقصائد. وحين استرجع الصمت ساغني قبل نجاة الصغيرة: ما احلى الرجوع اليه.

* قلت لنا ستعودين سريعا لكنك،كما يبدو, سقطت بفخ المنفى كيف حصل هذا؟

بالتدريج.. درجة بعد اخرى، كما يحصل مع مريض لينام مغناطيسيا. ان الطبيب يهدهد ويهمس بإذنه مايريد ويجب ليسلبه وعيه بنفس الوقت. كان طبيبي يهمس لي: يومان وترجعين الى وطنك.. شهران ويتغير كل شيء.. يومان.. شهران.. سنتان.. وشيئا فشيئا بدات الأيام تفقد اسماءها وتفقد ملامحها.. وبدات افقد عناوين الأهل والأصدقاء في الوطن.. ومعها كنت افقد اجنحتي.. صدقني ان الذي اطلق اسم على فرشاة الرسم اسم – ريشة – لم يكذب فقد منحتني الفرشاة اجنحة وسماء واصدقاء. وجاء المنفى ليسلبني كل هذا. شهران وترجعين الى وطنك.. اني اتذكر الآن فم طبيبي وهو يهمس: وطنك.. كان يهمسها ويرجّف حنجرته ليرجع صوته كرجع الصدى بين الجبال.. و..ط..ن..ك..

انني الآن اقف باعمق وديان طبيبي الإنجليزي واصرخ ملء دمي: ياوطني؟؟؟ اين؟؟؟

 * وهل هناك تفكير بالعودة للوطن؟؟ للحب؟ للشعر؟

انا هنا فقط لأني هنا.. وليس لأن شيئا يربطني هنا.. اقصد جذور او ذكريات، فتلك كلها في العراق وللعراق وحده.لقد كنت اول مَنْ هاجر من سرب الأصحاب.. تبعني الآخرون.. وارجو ان اكون اول الراجعين ليتبعوني من جديد..

* لم نسمع منذ سنوات عن نشاط تشكيلي لك؟ هل نهشت انياب المنفى جسد فرشاتك؟

نهشته نعم. لكن لم تقتله. والغربة آذتني كثيرا جدا لكني مازلت موجودة وعندي بعض الإختيارات. في الغربة كل شيء يتخذ معنى آخر. والألم ينبثق من حيث لاتدري. ففي احدى المرات دخلت الى محل هندي، استقبلتني فيه عاصفة من الألوان الحارة والبهارات، دمعت عيناي وانا اتذكر (سوق الشورجة ) في بغداد، فهرع البائع يعتذر ان بهاراته حادة جدا.. خرجت من المحل وانا اتعثر واشهق، فكيف اقول لهذا الهندي اني امراة مهزومة حتى برائحة البهارات، لانها تذكرني بوطني؟ كيف ارسم هذا العذاب؟ كيف؟؟.
 *
رحلتك مع الحياة كانت شاقة هل كانت كذلك مع الرسم؟ وكيف تصفينها لنا؟

الحياة اخذت مني، لكن الرسم اعطاني، والرسم عندي احتجاج لما يحصل حولي، ورحلتي مع الحياة شاقة فعلا. كان الرسم والشعر فيها زوّادتي فكما يسافر الإنسان ويحزم معه ملابس ونقود وطعام...الخ.. انا احتجت ريشة والوان وقصائد. هذه رومانسية مفرطة اليس كذلك؟!. لكن هذا ماحصل معي.فحين كنت على فراش المرض، في سن الرابعة عشرة وكنت افقد السمع تدريجيا وتصهرني الحمى، اهداني والدي الدواوين الشعرية الكاملة لمحمود درويش وآخرين، وكانت تلك الدواوين قرب راس على الطاولة.. اقرب الى يدي من زجاجات الدواء. وحين شفيت شعرتُ ان شفائي تحقق على يد الشعراء، وليس الإطباء. من هنا بدأت علاقتي مع الرسم والشعر، ودائما اشعر ان الشعراء قدموا لي ماعجز عنه الأطباء !.

 *لك محاولات جادة مع الكتابة، هل تقف الكلمة في حالة اسناد للفرشاة في تجربتك؟

اسناد كامل ولاانفصال له. احب الكلمات جدا، واحب تنسيقها كما انسق لوحة او باقة ورد. والمحيطون بي يقولون ان كلماتي غريبة احيانا. ورغم اني انغمست بالرسم اكثر لكن كان من الممكن جدا ان اكتب شيئا مهما. وفي احدى المرات قلت لأصحابي: ( لقد رسمت كثيرا. واريد الآن ان اكتب ما حولي ). وقد شجعوني على ذلك. اذكر الشاعر عدنان الصائغ كان اكثرهم حماسا لما اكتبه. ولاادري بالضبط ماالذي اوقفني عن الكتابة وقتها. هناك سكين في حياتي تقطع الأحداث في بدايتها او منتصفها بشكل غير معقول وتجعل حياتي مثل لوحة ( قص ولصق ) فلا ادري لماذا بدات ولاافهم لماذا انتهيت وهذا يسبب لي تعاسة كبيرة.
 * رسمت لوحات ديوان الشاعرة دنيا ميخائيل الاول - نزيف البحر- ماذا بقي عالقا في ذاكرتك من تلك التجربة؟

تجربتي مع دنيا ميخائيل كانت ثرية ودسمة، لأن كلام دنيا سواء في قصائدها او حياتها الخاصة كلام مشدود ومتوتر وهذا يناسب مزاجي وطبعي الحاد. لذلك كانت قصائدها هي الأقرب الى لوحاتي ضمن مجموعة زميلاتنا من الشاعرات الشابات.. وكن نخطط لإقامة معرض لي بعنوان – الوصايا العشرة -.. عشر لوحات فقط في معرض كامل اقول به كل شيء وانهدم مع لوحاتي على جدران الصالة كما اشاء لكن سرعة سفري اوقفت هذه الفكرة.

اما ديوانها – نزيف البحر – فقد خرج على يدينا وكنا نذهب ظهيرة في ظهيرة بغداد الحارة الى مطبعة الزهاوي في الباب الشرقي للإشراف على طبع الديوان ومعا ايضا درنا بعد ذلك على المكتبات لتوزيعه.. كنا شابتين: رسامة، وشاعرة.. نلقي في وجه الحياة قفاز التحدي ونظنّ ان العدالة ممكنة من خلال لوحة او قصيدة!!..

لقد نزفت بحار دنيا ميخائيل ونحن في وطننا.. فهل قدم لها المنفى نشافا وضمادا لهذا النزيف؟؟

* لو طرحنا عليك هذا السؤال فماذا ستكون اجابتك؟

. بالنسبة لي: لا. فقد اختلط الملح بالجرح وأنشق البحر على نفسه.. ومعه انشقت حياتي.. نتفا واشلاء..

 * لو تجولنا بين اشجار تلك الذاكرة ماذا نجد ايضا؟

نجد جذور عدنان الصائغ، واغصان عبد الرزاق الربيعي، وأوراق فضل خلف جبر، وريم قيس كبه، وبشرى، واياد الزاملي، وسعد جاسم..... وعشرات غيرهم. لم نكن اشجارا متفرقة بل شجرة واحدة ابدعنا جميعا من خلالها. حتى لقاءاتنا التي كانت غالبا في فندق المنصور – ميليا، كانت تضّمنا جميعا، فاذا تخلف احدنا نتململ، ونشعر بالفراغ.. وحين تنفضّ اجتماعاتنا كنا نهرع الى منازلنا نهطل لوحات وقصائد.

لاادري لماذا الآن وانا اتذكر هؤلاء الأحبة أرى ان السعادة مثل رغيف خبز ساخن وشهي، دائما يحب الإنسان ان يتقاسمه مع الآخرين. لكن الألم مثل الموت تواجهه وحيدا مهما كان من حولك.

 * لك موقف حاد من الرجل كمدار عاطفي، اما خففت السنوات من تلك الحدة؟

من اشباه الرجال فقط لي مواقف حادة فعلا.. اما عن الرجل الحقيقي فلا.

 * ماالذي يشغلك؟؟

هذه الايام مشغولة بالشجار مع جراحي الإنجليزي الذي يريدني ان اسمع وانا لااريد ذلك.. وهو يقول: اني ازاء حالة لم اواجهها سابقا !!.

  * غادة ماذا تقولين لنا؟

احبكم جميعا.. بكد الدنيا..

 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@bentalrafedain.com