لقاءات

مازن المنصور: العراق اخذ من وجداني اكثر من اي شيء آخر ولم يفارقني لحظة واحدة

 

حوار: رياض الركابي / بغداد

في سبعينات القرن الماضي كان الفتى مازن ابن الاستاذ والمربي ّالمعروف عبد حسن منصور يعزفُ في حفلات المدرسة، وفي المهرجانات التي تقام في بهو بلدية الناصرية، ونتيجة للآوضاع السياسية التي مر بها العراق تلاشت صورة مازن مثلما تلاشت صور العديد من المبدعين من ذاكرتي التي شاخت بفعل واقعنا الأسود المرير، وفي أحد الأيام وأنا أتصفّح مواقع الأنترنيت عانقت عيني صورة مازن واسمه وقد اصبح فنانا معروفا في أوربا، فتبادلت معه الرسائل والذكريات، واتفقنا على أجراء حوار، فكان هذا الحصاد مع العازف والموسيقي المعروف مازن المنصور:

 

* هل حققت حضرا فنيا مميزا قبل خروجك من بغداد؟

 ـ لقد كانت لدي مشاركات فنية عدة وأبرزها هي مشاركتي في مهرجان بابل الدولي لعام 1996 ثم وصلتني دعوة فنية من المركز الوطني للموسيقى في الأردن من قبل مدير المركز الدكتور محمد غوانمة، لغرض إقامة أمسيات فنية وإلقاء محاضرات لطلاب المركز الموسيقي، و لغرض المشاركة في مهرجان جرش الدولي في الأردن لعام 1997، ثم بدأ مشواري الفني في أوربا إبتدأ من مهرجان قرطبة للكيتار العالمي لعام 1998.

 

* هل كان المشوار الفني في الغربة سهلاً، سيما وأنك تعزف على آلات غربية؟

 ـ حقاً أن المشوار الفني صعباً في كل الأحوال سواء كان في الغربة أو في بلدنا، ورغم رحلتي مع الموسيقى التي بدأت في مدينتي الناصرية وأنا أعزف على أوتار قيثارتي لأنها عشقي الأكبر المليء بالإحساس والشعور ولغرض تواصلي بين الموسيقى والألحان.

في العراق لم تمنح لنا الفرصة الكافية لإثبات موسيقى آلة الكيتار بسبب هيمنة النمطية الموسيقية من قبل المسؤولين في الإذاعة والتلفزيون في ذلك الوقت وكانوا في تصورهم الذي يعزف على ألآلات الغربية يحمل ثقافة غربية وكانوا يطلقون علينا باللون الغربي ولكن في الموسيقى لاتوجد ثقافة غربية وأخرى شرقية، هذه هي عادات وتقاليد معروفة لكل شعب وكل بلد ولكن البيئة التي نعيش في محيطها تعطينا لتقديم طابعها المميز.

وكانت المؤسسات لاتسمح لنا أن نوظف هذه الآلة الجميلة في خدمة تراثنا لكي يظهر بشكل جميل وحديث وكانت هناك إستهانة حتى بالآلات الغربية وقد عانوا كثيراً من الفنانين الذين يعزفون على الألات الغربية بحجة تشويه التراث وحتى إتهموهم بالماسونية واليهودية لكون أغاني التراث العراقية كانت تغنى من قبل يهود العراق في ذلك الوقت ومنهم من عانى وحورب ومنعت أغانيه مثل الفنان الهام المدفعي والفنانة سيتا هاكوبيان والمطرب شيراك وغيرهم من الفرق الموسيقية التي كانت في ذلك الوقت.

أما في الغربة فقد وجدنا بعض الصعوبات وتم تجاوزها بالعزم والدراسة والمثابرة لكوننا نعزف على هذه الآلة الغربية وتعتبر هي التهم الموسيقية من خلال سلالمها الموسيقية وتكوينها فمن الصعوبة إختراق محيطهم الفني لكونهم أكثر معرفة في التهم من خلال معاهدهم وأكاديمياتهم الموسيقية التي كنا نفتقدها في بلداننا العربية ولكن بالدراسة والتجانس والاختلاط إستطعنا أن نحقق شيئاً والدخول في عالمهم الغربي، وحيث أن الموسيقى الغربية لها مستويات متعددة وجوانب فنية مختلفة في التراكيب والشكل، حيث لديهم فن الأوبرا الرومانتيكية والهزلية، ولديهم الأغنية الرومانسية، وأغاني البوب والروك أما بعدها يرتقي العمل الموسيقي لديهم من خلال السمفونية والكونشرتو والسوناتة وكذلك موسيقى الحجرة.

 

 * لو دعيت لإقامة حفل فني في بغداد، هل تلبي الدعوة؟

 ـ العراق أخذ من وجداني أكثر من آي شيء، والوطن لم يفارقني لحظة واحدة، العراق هو الحضارة والتأريخ لقد قدمت عملاً فنياً في أكثر من دولة أوربية وأريتهم الوجه الحقيقي لبلدي العراق في الفن والإبداع وليس عراق الدكتاتورية والقتل والذبح الذي يشاهدونه عبر القنوات والفضائيات وقد شاركت في عدة مهرجانات عالمية وسأشارك بإسم العراق في مهرجان فاد العالمي في 3 ديسمبر 2006 في العاصمة النرويجية أوسلو، وما زلت أحمل على عاتقي مع زملاء موسيقيين مهمة نقل الصورة الثقافية لعراقنا الحبيب لآن المعروف عن الفن هو رسالة أنسانية، ولكون الموسيقى لغة عالمية، يسهل من عملية الأتصال والتذوق مع الجمهور.

ومن دواعي سروري أن أقدم لشعبي وبلدي وأعزف موسيقى الحب والسلام لكل مدينة في العراق من الشمال حتى الجنوب. لقد وردتني دعوة مباشرة عام 2005 بعد سقوط النظام من قبل الآستاذ فخري كريم رئيس مؤسسة المدى للأعلام والثقافة والفنون لغرض المشاركة في مهرجان أسبوع المدى الثقافي الأول ولبيت الدعوة وأدرجتها ضمن برنامجي الفني السنوي ولكن تأجل المهرجان في ذلك الوقت لظروف أمنية، وأنشاء الله ستكون لي زيارة لأقامة أمسيات موسيقية مستقبلاً للحب والسلام في ربوع بلدي العراق من خلال موسيقاي.

 

* ماهي حصة الوطن من أعمال مازن المنصور؟

 ـ للوطن حصة كبيرة من أعمالي الفنية من خلال مشاركتي في المهرجانات العالمية حيث أي نجاح يحققه الفرد العراقي في الغربة هو نجاح للعراق وقد أثبت الفنان والمثقف العراقي للعالم أن العراق والمعروف بلد الحضارات بلد (MESOPOTAMIAN) هو مصدر إشعاع للحضارة والثقافة والفن في العالم.

 وقد أكتسبت في غربتي من خلال الأحتكاك وتبادل الثقافات بين الشعوب الخبرة العلمية وألأكاديمية وأتمنى أن أعود الى بلدي لغرض المشاركة من أجل النهوض بالعراق الجديد بطريقة حديثة وعلمية من أجل فائدة أبناء بلدي وان يعود العراق شعلة الثقافة والفن والعلم, وحاليا لدي أغنية جديدة قمت بتلحينها حديثاً وهي من كلمات الشاعر محمود درويش

(أماه لماذا نموت مرتين في الحياة مرة بعد الموت)

 وتتحدث عن الموت والقتل والطائفية التي بدأت بأبناء البلد الواحد، واستخدمت مقام (Fandango) الأسباني وهو مقام حزين لما تحمل هذه الأغنية من آهات وآلام وحزن.

 

 * ماذا حققت في الغربة؟

 ـ أنا أحترق من سنين الغربة و التي فرضت علينا، لأن من طبع العراقي عشقه لبلده وحبه لأ رضه والغربة شيء جديد على الفرد العراقي، والعراق لم يفارقني لحظة واحدة وأمام هذا الواقع المرير فأن معاناتنا تكبر وتتسع ويبقى ألأمل أمامنا...

ورغم معاناتي في الغربة كنت حاملاً رسالة الموسيقى التقليدية والحديثة من بلدي الأم العراق ولم أترك مهرجاناً إلا وقدمتُ شيئاً فنياً من أجل العراق. واصبح لدي أفق ثقافي وموسيقي كبيرين من خلال اتصالي مع ثقافات عدة وأكتشفت الجسر بين أصول الموسيقى الشرقية وآلأتجاهات الحديثة وكان من أخر أعمالي هي الموسيقى التصويرية للمسرحية الغنائية الذي أقيمت في العاصمة النرويجية أوسلو بمناسبة مئوية عملاق الأدب النرويجي أبسن.

وقد استعملت الموسيقى العربية كأساس حقيقي بعد تلوينها بالطابع الأسباني في موسيقاي، بعد أن أعتاد الموسيقيون في الغرب على آستعمال الموسيقى العربية في هيئة أجزاء صغيرة مكررة ومسروقة من تسجيلات لآعمال موسيقية عربية ثم أضافتها إلى موسيقاهم، فأنا عملت العكس أستخدمت الموسيقى العربية في أعمالي كأساس وإضافة مقاطع من الموسيقى الغربية في موسيقاي وتوظيف بعض الايقاعات الشرقية القديمة وبرمجتها وحتى إستخدام الارتام التي حملها البابليون والسومريون منذ قرون وكذلك الايقاعات الأفريقية واللاتينية، حيث قمت بأيصال الأيقاعات الأفريقية إلى المستمع من خلال آلة الجمبا الأفريقية، والايقاعات الأسبانية من خلال آلة الكاخون الأسبانية, والأيقاعات الشرقية من خلال آلة الطبلة العربية.

وهو شيء جميل من التهجين يمزج هذا الخليط في موسيقى راقصة, مميزة بالدقة والأسلوب الذي لاينكر بالرغم من كل ملامحه الشرقية في الاحساس الأوسع للتعبير، وأستطعت أن أنقل إحساس الشرق وسحره مستفيداً من كل التقنيات الحديثة الموجودة في الموسيقى الغربية وضمن عيشي بين ثقافتين مختلفتين لكني أخذ الأمور الايجابية والجيدة لذلك أجد تجاوب وتفاعل من جمهوري الشرقي والغربي في كل الأمسيات والمهرجانات التي قدمتها والجمهور الأوربي مستمع جيد، بحيث يثير الخوف، إذ معناه الإنصات بالتالي المسؤولية تجاهه.

 

* اريد ان اعرف مدى علاقتك بالموسيقى العربية, وهل جربت العزف على آلة شرقية؟

 ـ أن طابع موسيقاي هي أساساً عربية ولكن أعيد توزيعها ضمن رؤية موسيقية جديدة تتناسب مع العصر ومن خلال استعمال الزخارف وبعض الجمل الموسيقية الأسبانية أي تلوينها بالطابع الأسباني مع أضافة اللإيقاعات الأفريقية واللاتينية لكي تخرج موسيقى تسمى اليوم GYPSY FUSION).).

أما تجربتي مع الآلات الشرقية لم يحالفني الحظ معها لآن حقاً الكيتار أغناني عن باقي الآلات رغم عزفي قليلاً على آلة البيانو والدرامز ( الطبول ) لكن يبقى الكيتار بالنسبة لي هو التي المفضلة وهو هويتي.

 

 * هل من كلمة أخيرة

 ـ اقدم شكري وتقديري لك ولصحيفتكم التي اتاحة لي اللقاء مع أبناء بلدي الحبيب العراق من خلال منبركم الثقافي.وآمل من الحكومة العراقية الحالية او القادمة ان تهتم بدقة بالفنان والمثقف العراقي في الداخل ومعالجة مايعانيه من الاهمال من الحكومات السابقة، وكذلك فنانيين ومثقفين الخارج الذين أفنوا زهرة شبابهم في الغربة وحبهم للعراق ومثلوا العراق بأكثر من منبر ومهرجان ثقافي عالمي، حيث يؤلمني وأنا أشاهد الاهمال المتعمد للمثقف والفنان العراقي، هاهي الدول تقوم بدعم وتكريم فنانيها ومبدعيها وهم في قيد الحياة لماذا لم يكرم مبدعينا إلا بعد مماتهم والبلدان الحضارية تقاس بفنانيها ومبدعيها وليس بقادتهم وعساكرهم وهنالك قولا الى أحد العظماء يقول

إذا أردت أن تعرف حضارة شعب أستمع لموسيقاه.

وكذلك لي وقفة مع أعلامنا الذي يمجد المغني ويهمل الموسيقي، والموسيقى هي عماد الأغنية لولا الموسيقى لايستطيع المغني ان يطرب الجمهور.

 محبتي لشعبي واتمنى ان يعود الحب والسلام في ربوع عراقنا الحبيب

 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@bentalrafedain.com