دراسات نقدية


3- عودة ومصائب وعواصف/ 3

من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1996)

 

محمد علي الشبيبي
alshibiby45@hotmail.com

 

مرحباً بالعيد

لست مبالغاً إن قلت إني لم أعش في أمن، ألم يقل الإمام الحسين، هيهات، هيهات، لوترك القطا لغفا ونام.
حين عدت إلى النجف لأقضي شهري العطلة الصيفية، استأجرت بيتاً كيلا أَجَر على الأب الشيخ بعض ما أحتمل وقوعه. رغم إني لم أتي بجناية، ولكنهم اعتبروني "حِسَن"؟

أصبحت قرينتي تقص عليّ حلماً، إنها تدين بصحة الأحلام، أما أنا فلا. قالت كنت كأني أعود من بيت عمي. ولدي "محمد" الصغير، يمشي إلى جانبي، في هذه الأثناء أقبل شرطي قصير أسود الوجه، فأختطف صغيري، وتوارى عن نظري، ورحت أصرخ وأستنجد بالمارة أن يمسكوا به فما أفلحوا. وعقبتْ، هذا الشرطي موجود فعلاً، طالما رأيته، في مخفر باب الصحن، أو في السوق، لكن ما معنى هذا؟

قلت دعي عنك الوساوس والأحلام. كنا نقضي النهار في بيت الوالد، من أجل أن نتقي حر تموز في السرداب. بعد تناول الشاي عصراً تهيأت، فاعترضني الوالد.

- أجلس حدثني، أنا غير مرتاح، أحس بضيق الصدر.

اعتذرت بأني أريد أخذ الأطفال للحلاق، فالعيد بيننا وبينه أربعة أيام، كان هذا يوم 31/7/1948. وخرجت أصحبهم. وفي السوق الكبير اعترضني -وهذا أغرب ما رأيت- نفس الشرطي الذي حدثتني عنه قرينتي في حلمها، وقف إزائي وقال:

- عمي. الأفندي يريدك.

- الأفندي منو؟

- مأمور المركز.

- حاضر. أذهب وسآتي بعد أن أصل إلى الحلاق ليحلق هؤلاء الأطفال.

لكنه أصر. وبين الغضب والنكتة قلت له "أنا أريد أن أوصلهم إلى الحلاق وأنت تريد أن تحلق لحيتي على كيفك!". وبين إصراري وإصراره، وصلت الحلاق، وطلبت منه أن يسلمهم لمن يعرفني ليوصلهم إلى البيت -بعد الحلاقة- وليخبرهم بما حدث.

والتقيت بالأفندي في الطريق. سلمت عليه، وسألته ما يريد. كان لا يعرفني. فرد عليّ، من أنت. سبقت الشرطي، وأجبته. رحَبَ وأعتذر، وقال "سأعود بلا زحمة انتظرني في الإدارة؟"

وصحبني الشرطي إلى هناك، لكنه أدخلني غرفة التوقيف؟! وبت ليلتي دون أن أراه، طبعاً بلا زحمة؟ وجاء من أهلي بعضهم يحمل زاد العشاء، ويستوضح السبب. أنا لا أعرف أي سبب لهذا الأجراء، غير إني في نظرهم "حِسَن".

في اليوم الثاني استدعاني. عرض عليّ جملة أسماء، من تعرف منهم؟ المحامي موسى صبار، المحامي عزيز عجينة، المحامي محمد زيني. قلت طبعاً لأنهم أبناء بلدي، ولكن لا صلة لي بهم غير السلام إذا التقيت بهم في الطريق، أو ضمنا مجلس.

وجاء باسم لا يعرفه جيداً، ألتبس عليه الخط، قال هل تعرف جواد الشبيبي؟. قلت نعم، إنه والد الشيخ محمد رضا الشبيبي؟ ألم تسمع به؟

- لا، لا. هذا معلم وشاب، هاك، لاحظ، لعلك تعرف الخط مشوه؟

حدقت فيه ملياً، وقلت أنا أيضاً لم أستطع أن أتبينها

وراح يمعن النظر ويسأل تذكر من تعرف؟ جواد؟ شبيبي؟ شيبيني؟

قلت لا يوجد في عائلتنا غير الشبيبي الكبير "شيخ جواد" ولا أعرف أحد غيره.

كان في الإدارة معه مختار طرف المشراق "..... شبيل" أنا في الواقع أدركت أن المقصود صديقي وزميلي أبو غالب "جواد شبيل" أبن عم المختار هذا. وسأل عن المظاهرات التي حدثت في النجف خلال وثبة كانون، ومارس ومايس. قلت كنت موقوفاً في التحقيقات الجنائية من 9/1 حتى 11/3/1948 وأطلق سراحي ببراءة، وعدت إلى مقر وظيفتي في "گرمة بني سعيد" في لواء الناصرية. وحضر والد زوجتي ليتكفلني، فيطلق سراحي. وتم ذلك، إذ وراء الأكمة ما وراءها يا "حِسَن".

على كل حال حل العيد وأنا بين أهلي وأطفالي. وعدت أواخر آب إلى الناصرية. بعد أيام من أيلول 1948 تم نقلي إلى مدرسة "السيف الابتدائية" في الناصرية. كانت بيتاً عادياً لا يصلح لمدرسة أيضاً. لكنها منتظمة، مديرها الشاب مجيد وحيد شاهين، الصموت أغلب الأحيان، هو لا يثرثر رغم معاقرته الخمرة كل ليلة في النادي. وعهد إليّ بتدريس العربي -على العادة- لكني لا أكتم الحقيقة، إني في قلق، بعد التوقيف واستفسارات مأمور مركز شرطة النجف.

يوم 13/12/1948 أطل الفراش "عُقلة" على غرفة الإدارة، وهي تجمعنا بالمدير دائماً. وقال عمي إلك منادي! وجدته شاباً عرفته رغم إني فارقته منذ كان تلميذاً في مدرسة الكوفة الابتدائية. صافحني وسأل: "علمنا أن الوالدة عندك. يرجى إرسالها إلى بغداد حالاً، لأمر هام، والدك قال هذا. لا تقلق. مع السلامة".

ودعوت والدتي التي كانت قد سافرت إلى أخيها في "كوت الخضر" جاءت والذعر مرسوم على وجهها. تسائلني، وتلح، ما الخبر؟ أصدقني. أمس يبني أبصرت حلم. وارتعت أنا! ويلي أهكذا نعيش في الأحلام في اليقظة والمنام؟!. أكملي يا أمي ماذا رأيت؟

وقصت عليّ: "في البيت قفص فيه ثلاثة بلابل. فتحته لأقدم لها الطعام والماء، فطار الثلاثة، فأصابتني الدهشة، والذعر. واحد كان على ستارة للجيران، وآخر أسمع صوته يغرد ولا أراه، أما الثالث، فلا أثر. وذهبت إلى المطبخ فإذا بالنار تشب فوق رأسي؟ وجلست مرعوبة. قل لي بربك ليش تريدون أسافر إلى بغداد؟" (فعلاً أعدم أخي حسين، وحُكم على أخي محمد علي بالسجن لمدة عشرة سنوات مع خمسة سنوات من الإقامة الجبرية في بدرة، ولم يطلق سراحه إلا في ثورة 14 تموز عام 1958. أما أنا فقدمت إلى المجلس العرفي في نيسان ومايس 1949 مرتين، وكانت التهم ملفقة، كما سأذكرها في دورها من هذه الذكريات).

قلت لا أعلم، لكني أرى أن تسافري إلى النجف لمعرفة السبب الداعي من أبي! لك الله من أم، ما أشد ما تعانين، وما أقسى سهام القدر التي تستهدفك. لأكتم عنها ما رأيت من حلم أنا الآخر، صرت كالآخرين أخشى الأحلام، كمن يؤمن بها تماماً.

أقسم بحياة أغلى الناس عندي إني لم أسمع، ولم أقرأ في كتاب عن إنسان بهذا الاسم "النعمان بن بشير" الاسم عربي ولكن أهو حقيقة، شخصية موجودة أو كان لها وجود. ثم ما العلاقة بين هذا المسمى العربي النعمان بن بشير وبين "مدحت باشا" التركي الذي عاش في العراق والياً، من قبل السلطة العثمانية. مدحت باشا خير والٍ عثماني عرفه العراق، في عدله، وحدبه على العراق، وقد بذل جهده في خدمة العراق، هو الذي عمل على تأسيس مدينة الناصرية، كي يقضي على انتفاضات أو عصيان عشائر المنتفك. وأنا الآن في الناصرية، ولقد مات مدحت باشا خنقاً ومظلوماً لأنه لا يريد فقط أن يجعل من هذه المواطن العربية التي يحكمها العثمانيون، باسم خليفة، بقرة حلوباً، تجبى منهم الأموال، وديارهم خراب، وأغلبهم فقراء. أذن ما علاقة هذا الاسم العربي النعمان بن بشير بهذا الشهيد الحر؟

قال لي -في الحلم- أنا أتخفى، جئتك لأكلفك بشراء كؤوس زجاجية عليها صورة أخي مدحت باشا أشتري لي منها، أنا لم أشهده. قتل خنقاً، وحزوا رأسه، وقد صرت أعيش متشرداً متنكراً بعده ....؟ الحلم طويل، بقيته رمز!

بعد أيام جاءت أليّ من أبي رسالة في 3/12/1948 فيها، إن كل ما علمته عن أخيك، أنه سحب هو وأثنين من رفاقه من سجن الكوت ولا يعلم أحد إلى أين ؟!

فينا صفة غريبة، لا أدري بمَ أفسرها، أهي صبر، أم عدم تنازل للحاكمين، أم هو جبن؟ أعرف أن أبانا، لا يخشى ظالماً، ولا يتملق ذا وجاهة. وأنا اثبت لنفسي أني لم أدنس كرامتي، باعتراف مشين رغم ما لقيت (مرّ ذكر ذلك في عنوان -الصدف اللعينة-). ولو حدث مني مثل هذا لقضي على أخي وعلى رفاقه الآخرين. ألا يكفي هذا دليلاً على صحة ما أقول!؟ التحقيقات حاولت هذا مني خلال توقيفي في 9/1/ 1948.

وفي صباح جمعة لقيني أحد تجار الحبوب، كان هذا من هواة صداقة الموظفين وخاصة مراتب الشرطة والشعبة الخاصة. أوقفني وقال: سمعت أمس خبر من معاون الشعبة إن الحكومة قبضت على مندائي شيوعي كبير، وهذا أعترف على جماعته كلهم، وقبضوا عليهم هَمِنه!

- ما عرفت أسمه منهم؟ أجاب: اليوم أحاول.

وانتابني ضجر عميق، هنا فك رمز الحلم، جرذ أسود كأنه ميت، على طاولة حانوت البائع الذي قصدته لشراء ما طلب مني ضيفي المشؤوم "النعمان بن بشير" كمية المشمش الجاف في صندوق مكشوف كانت تتحول إلى ديدان تدخل فم الجرذ الذي لم تبدُ عليه حركة تدل على أنه حي! حتى إذا لم يبق من المشمش شيء أنقض على الجرذ قط أسود أختطفه واختفى. لكن من هذا الذي قام بهذا الفعل الشنيع، انه بمنتهى الخسة والوضاعة والجبن! (وفي عام 1976 كنت أقرأ كتاب "علي صوت العدالة" لمؤلفه جورج جرداق. فإذا به يذكر حواراً جرى بين النعمان بن بشير -بأمر معاوية- وقيس بن سعد بن عبادة صاحب الإمام علي في حرب صفين. إذن النعمان هنا يمثل معاوية. جاء نذيرا لك يا علي فيما سيصيب أخاك "حسين" الذي رمز له العقل الباطن بـ "مدحت باشا" وذلك الجرذ كان "مالك سيف" أما القط فهو التحقيقات الجنائية)

ولكن أي قانون يجيز محاكمة المواطن بجريرة سبق أن حكم بها ولم يقض المدة التي ما يزال بسببها نزيل السجن؟!

على أية حال ما باليد حيلة!

عيـد بأية حــال عـدت يا عـيد بما مضى اَمْ لأمر فيك تجديد

نَعـبَ الغراب؟!

هذه أبيات من قصيدة لديك الجن الحمصي في رثاء أخيه:

هـو القلب لمــا حُــمَّ يـومُ إبنُ أمه وَهى جانب منه وأســـقِـم جـانب

ترشـــفتُ أيامي وهـــن كـوالـــح عليك وغالبت الردى وهو غالب

ودافعت في صدر الزمان ونحره وايُّ يدٍ لي والـزمـــان محــارب

لازمني القلق وأخذ يشتد، من تلك الأحلام، والخبر الذي علمته من أبي. فصرت أقصد نادي الموظفين عصراً إلى ما بعد الغروب بأكثر من ساعة، علّ نبأ يذاع من الراديو، إذ لم أكن أملك راديو إذ ذاك، وعسى أن يكون خيراً.

يوم الثلاثاء 15 شباط 1949 الساعة السادسة غروباً، بدأ صوت المذيع يذيع "أحكام المجلس العرفي" صوته عليه رنة انفعال، لست أدري أهو للنبأ المحزن، أم هو الحماس للظفر، والنصر المؤزر، لحكم الوكيل العام.

سكنت حركة لاعبي النرد، والأزنيف؟ وأقبل الجميع من جلاس النادي، قرب الراديو يصغون بصمت، المقدمة طويلة، على عادتهم في التهريج والتطبيل، وتضخيم التهم. وقفت أنا قبل الآخرين، لست أدري، ماذا كان الآخرون يرونه من تغير ارتسم على ملامح وجهي، كنت أصغي تماماً ناسياً كل شيء آخر. حتى انتهى إلى ذكر الأحكام التي لم أعد بحاجة لأنتظر ما بعدها. تحركت لأنسحب، ولم أرتبك. فسألني الحاج طالب:

- ما هو موقف الشيخ محمد رضا؟ ألم يكن ممكناً أن يخلصه من الإعدام؟!

قلت: لا أدري! وأدرت وجهي لمغادرة النادي.
قال له آخر كان إلى جانبه: يا حاج، هذا أخوه؟!
صفق الحاج بيده، وقال: وواقف يسمع؟!
ردَّ عليه الرجل: هُمّه بگدْهه! لكني أسرعت قبل أن أسمع التعليقات.

اخترقت الشارع بسرعة لم أعتد عليها، وكأني أمشي بالشارع خالياً من الناس، والناس كما هم ملء الشارع، أتراهم عرفوا الخبر، لم أسلم على أحدٍ، لم يعترض أحد أيضاً، بل لم أدر، هل الناس الذين كنت أمر بهم -وأنا لا أنظر إليهم- كانوا على سجيتهم يتحدثون، أم هم في صمت؟ كأي مواطن هنا هزه النبأ؟!

وجدت زوجي مشغولة بصب الطبيخ في المصفاة، فانفجرت مستعبراً، أبكي كالنساء "أتركي كل شيء، أعدي ما يلزم، الآن سنسافر إلى النجف" لم أدعها تتكلم، صحت: حسين حُكم عليه بالإعدام! فصرخت هي الأخرى، ودوى صوت أطفالنا بالبكاء والعويل.

هكذا قدمنا ما لدينا من طعام إلى الجيران، وخرجنا إلى القطار، يصحبنا بعضهم مواسين. أنا في ذهول لا يوصف، فركبت قطار البصرة بدلاً من قطار بغداد، لو لم يتدارك الأمر شخص يعرفني وعلم بالواقعة.
كنت أعتقد إن الحكم لم ينفذ بعد؟ فشفيق عدس، لم يصادق عليه التمييز إلا بعد مرور خمسة وعشرين يوماً.

وهو متهم بمد الصهيونية بالمال، فهل يبلغ استهتار الحاكمين إلى حد أنهم يتروون بأمر صهيوني، ويستعجلون بالموت على مواطنين عراقيين عرب؟!

أفكر، أن أحث أبي حين أصل، أن يسارع فيتشبث، ويراجع، عسى أن يبدل حكم الإعدام بالسجن؟!

أقبلت على البيت، فاعترضني شرطي، وصاح به آخر: دعه، أنه من العائلة!

عدد من الشرطة يراقبون البيت، لا يسمحون بالدخول لكل أحد، أو يستجوبون بعضهم؟! لقد انتهى أذن كل شيء. إذن فعلها الأنذال. نفذوا الحكم، ثم أذاعوا قرار المحكمة. كان القرار قد صدر يوم الخميس 10/شباط/1949 وقد صودق تلفونياً -كما ذكر هذا أخيراً-!؟ ونفذ فجر 14 و 15/شباط 1949. وقد أشرت إلى هذا في إحدى قصائدي برثائه:
ظالم من جبنه في حكمه بعد أن نفذ ما شاء أذاعا
إنهم جميعاً ينوحون ويعولون، ورحت دون وعي أنوح مع الأم الثاكل والأخت المنكوبة.

أمي لم تهتدي إلى مكان احتجازه إلا ليلة إعدامه!؟ حيث أعلموا أبن عمها الشيخ باقر الشبيبي تلفونياً قبل ظهر يوم الاثنين 14/2 بعبارة مقتضبة " إن كان لـ .... أحد يريد مواجهته، فليتوجه إلى الموقف العسكري في أبي غريب!" وسارعت تصحبها زوجته وأمها.

أخذ يملي على سمعها وصيته. قولي للشيخ (المقصود محمد رضا الشبيبي/الناشر)، ولأبي، ليس لديهم ما يدينونني به غير شهادة سافل واحد؟! صاح الضابط الذي يجلس خلف منضدة، يسجل ما ينطق به هو أو من يقابله: رجاءً لا تتعرض لأي موضوع غير أن تودع أمك!. ردّ عليه: لا بأس أصدروا حكماً آخر بالإعدام! فصاحت الأم يا ويلتاه! لكنه طالبها بالصبر، وأستمر: جاؤني بمعمم من شاكلتهم، لأشهد على يديه "أن لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله ..الخ" فطردته، إني من بيت رجاله أهل دين وأدب، لا حاجة لي بمثلك. صاح الضابط ثانية يعترض. وأكمل: أقيموا لي فاتحة؟ لم تعد أمنا تعي من الأمر شيئاً وهي تشهد السلاسل تربط يديه إلى الأرض. وانتهت عشرة الدقائق المخصصة لزيارته، وعادت إلى بيت ابن عمها.
لم تغمض لها عين، حتى إذا أشرقت الشمس، رن جرس التلفون يعلن للشيخ: أن تهيأوا لاستلام جثمانه!؟
هل استلموه؟ كلا! الشرطة وضعوه بسياراتهم، أرغموا العائلة أن تسلك من بغداد إلى كربلاء، وتوجهوا هم به إلى طريق الحلة!.
ودفن عند حلول الظلام، وأرسلوا من يدلهم على القبر!؟
لقد ودع الشعر بآخر قصيدة "تحية أيار" منذراً عبيد الاستعمار بقوله:
سننسف أركان ما شيدوا فلا العبد يبقى ولا السيدُ

حسبه، وحسبنا، إننا لم ولن نتراجع أو نتخاذل أمام عسفهم واضطهادهم. وإنا نفخر إننا قدمناه قربانا من أجل الوطن والشعب المضطهد المغلوب على أمره. ورحت أرثيه أمام أبي وهو ينشج، ويقول: سميته يا أبا عبد الله باسمك، وها هو قد لقى الشهادة صابراً محتسباً.

لقد منعنا من إقامة الفاتحة من الرجال ومن النساء. وفي عام 1958 وانبثاق فجر 14 تموز عند وفاة والدي في 7/9/1958 أقيمت الفاتحة للشيخ الذي فضح الطغاة من على المنبر، وتحمل عسف الظالمين، ومضايقاتهم له، واعتقاله عدة مرات. وجد الأدباء متنفساً فتباروا في تقديم المراثي، عن جهاد ولده الشجاع، الصادق، المتفاني ... من أجل الحرية والاستقلال، ومن أجل الجماهير العاملة، وكيف قارع أشد أعوان الاستعمار، وانتهت حياته وهو ثابت الجنان، صلب العود، لم يلن ولم يتراجع، ولم يستسلم لأرادتهم. ثم يعرجون على صبر الشيخ المنكوب، ووقوفه بشموخ يفضح نوايا سماسرة الاستعمار من على منبره المكتظ بالألوف، وتعرض لأقسى أنواع المضايقات إذ يؤخذ ليلاً من فراشه ليرموه في موقف سجن خارج النجف، في كربلاء، أو عين التمر، فلم يخيفوه ولم يهادن.

لا تحضرني الآن غير كلمة الشهيد كامل القزانجي، وهو يصف أبنه الشهيد "حسين"، كيف فارقهم قبيل الفجر، وأعلن مودعاً "أخوان في أمان الله أنا ذاهب لينفذ بي حكم الإعدام -أي جلد هذا-". ويقول قزانجي "هذه الكلمة -في أمان الله- كنت أسمعها من النجفيين أيام كنت مدرساً وكان الشهيد أحد تلامذتي".
وفي كلمة الأديب ومدير التوجيه والإعلام ذو النون أيوب: "ويوم أغتال المجرم الأكبر نوري السعيد -الشهيد

حسين محمد الشبيبي- ظن كما ظن أمثاله الحمقى، أنه قد أطفأ النار المتأججة بقربة النفط. ولم يخمن قط إن الحبال التي التفت حول أعناق الأبطال الأربعة المناضلين هي نفس الحبال التي سحب بها جثمانه في شوارع بغداد. لقد زاد استشهاد الابن الشاب الأب الشيخ أيماناً فاشتدت عزيمته، وتضاعفت همته وفجر بركان غضبه على ألاثمة المعتدين فقارعهم هو وأفراد أسرته مقارعة لا هوادة فيها ولا لين".

هل ارتوى ظمأ نوري المتعطش لسفك الدماء؟ لقد ورط صالح بمعاهدة بوتسموث فأفشله مثلما أفشل قبله الأرعن أرشد العمري، ليقضي على الحركة الوطنية، فاندحر مهزوماً بعد أن لطخ يده بدماء شهداء كاورباغي ومظاهرات الشباب في بغداد.

ثم دفع الصدر ليهدّء فورة الشعب بعد صالح، ثم بمزاحم، وقد كان بحاجة إلى أن يرد اعتباره، فيما واجه عام 1931 من إضراب العراق من أقصاه إلى أقصاه. فقال شاعر العراق مشيراً إلى جواب مزاحم المستخف بالشعب حين أبلغ إن الإضراب عم العراق من شماله إلى جنوبه قال "أنا الآن مشغول بتلميع حذائي!"
خبروني بأن عيشة قومي لا تساوي حذائك اللماعـا

فماذا الذي فعل مزاحم في وزارته هذه؟ لاشيء سوى البطش بالصحف الوطنية، ربما أعتبر كبس مطبعة الحزب الشيوعي نصراً عظيماً لم يكسبه قبله أحد؟

ولكن فاته إنه غادر الوزارة مهزوماً مروعاً من الأزمة المالية التي قيل عنها. لقد بدأت أيام صالح واشتدت أيام الصدر. فماذا فعل مزاحم الذي أعلن عاقبة استمرارها؟ وسارع نوري إلى أخذ زمام الوزارة، ليكسب فخر العثور على بيوت الحزب، وإنزال الضربة القاصمة بالحزب بإعدام قادته الميامين. وقد فعل، ولكنها ليست من جهود وعبقرية أجهزته، إنها من خونة ملّوا المسيرة وتعبوا وأدركهم الخوف في ميادين معارك النضال، فدبروا أمر تسليم كل شيء. ورضي "مالك سيف" لنفسه أن يتحول شرطياً برتبة معاون في التحقيقات الجنائية. وقد علمنا أن بعد اعترافاته، وإعدام قادة الحزب، أصدرت التحقيقات "الموسوعة السرية" وهي بقلم مالك سيف -وأن لم يذكر ذلك- وقد أخرجت الموسوعة بطريقة لتنشر الشك والريبة بين أعضاء الحزب وأصدقائه، وانه عين بدرجة معاون شرطة تحقيقات براتب يناسب خيانته ونذالته.

ولكن الحركة لا ولن تموت أبداً، مهما طبل حكم نوري وزمرته، وأعلن الفرح والتشفي بعد فشل مخططه الذي أوكل أمر تنفيذه لصالح جبر، وان يوماً عصيباً لابد انه آت يوسد به نوري ملفعا بالخزي والعار بدل الأكفان، وينثر لحمه بيد الناقمين بدل القبر واللحود. وقلت في إحدى قصائدي في رثاء أخي:
حـلفت يمينـــاً لا أســـيل مدامعـــي إذا لم تُسـل من قاتليك الدما الحمــرُ
بيـــوم ســيأتي لـيس منه تخلــــص يضيق على الطاغي به البر والبحرُ

الصحف الموالية للحكم ظهرت غداة إعدامهم بعناوين بارزة. تهلل وتكبر للنصر العظيم، وصور الشهداء على صفحاتها مشوهة. لكن الناس علقوا بأسىً "لابد إنهم عانوا المر من التعذيب والوحشية"

ولم نسمع عن موقف الأحزاب الوطنية والتقدمية شيئاً مطلقاً!؟ ولا غرابة. وهنا السر والسبب في إخفاقات وتعثر الحركة الوطنية. قادة الحركة الوطنية في العهد الملكي بغض النظر عن كل اندفاعاتهم وحماسهم، فان صفة غير مناسبة ولا صالحة، تمتلك نفسياتهم، هي حب الظهور على المسرح وحدهم. وكل يريد القيادة له دون غيره! هذا ما شهدناه بالعين والسمع، في الدعوة إلى الجبهة الوطنية الموحدة. لقد فشلت المساعي رغم اللقاءات المتواصلة بين الأحزاب الثلاثة، التي هي في الواقع نموذج واحد. والسبب الهام هي أنهم يعتقدون إن حزب التحرر الوطني، وجه علني للحزب الشيوعي؟! ونسوا أنهم يهدفون في مساعيهم السياسية إلى نفس ما يهدف إليه الشيوعيون.

لازمت الأحزاب الصمت، وكأن الذين أعدموا كانوا زمرة من أجانب ومجهولين! بينما هم لم يغمطوا حق الأحزاب الوطنية والتقدمية، وقادتها، ولم ينكروا مكانتهم في النضال والحركة الوطنية. فحين وجه الإدعاء لفهد تهمة "بأنهم يثيرون المظاهرات ليقلقوا البلد!؟"

أجاب فهد: "ونسب الإدعاء العام إلى حزبنا جميع الأعمال والنشاط السياسي والوطني والعمالي، التي حدثت في العراق في السنوات القليلة الماضية. كإضراب عمال السكك، وإضراب الطلاب، والمظاهرات التي حدثت في بغداد والبصرة، وإضرابات عمال النفط في كركوك، وتلقين جماهير الشعب الشعارات الوطنية كالجلاء وإلغاء المعاهدة ..... إننا فخورون أن تنسب إلينا مثل هذه الأعمال الوطنية، لكن الحقيقة يجب أن تقال، وهي إن حزبنا لم يخلق الحركة الوطنية في العراق، وليس هو الوحيد في حقل النضال الوطني. فهناك عناصر وطنية عملت وتعمل."

للأسف ضاع مني كثير من الوثائق التي بذلت جهداً في الاحتفاظ بها، من تلك جريدة القاعدة من أول عدد حتى عام كامل. وفي دفاتر خاصة دونت بعض أخبار وكلمات لقادة الحزب وساسة العهد الملكي وجرائد عراقية وعربية فيما يخص الحركة وقادتها. وكان أهم سبب في ضياعها غارات الشرطة على بيتنا للتفتيش مما اضطر زوجتي أثناء توقيفاتي أن تتخلص منها. ولذا حين بدأت أواصل كتابة ذكرياتي، لجأت إلى بعض المصادر التي نشرت أخيراً واقتبست كلمة دفاع فهد من كتاب "الصحافة العراقية والحركة الوطنية" لمؤلفه الأستاذ قيس عبد الحسين صفحة 129.

لقد انتهى دور أخي ورفاقه. ولكن الحركة الوطنية لن يخمد لهيبها، ولن تقف أبداً. سيتقدم لراية النضال من يحملها، حتى يقبر نظام خانقي الشعب وماصي دمائه. إن الحياة إلى الأمام دائماً. ولا يستطيع أحد أن يوقف حركة دوران الأرض. إنها كما قال برنو "ستبقى تدور وتدور" سيأتي يومك يا نوري، وكل آتٍ قريب!

 

 

Google

  في بنت الرافدينفي الويب

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 © حقوق الطبعوالنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين

Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.

info@bentalrafedain.com